الخميس ٠٤ مارس ٢٠٢١

رئيس التحرير
محمود المملوك

مقالات

هند هيكل تكتب: التعلق المؤذي وفك الارتباط

صورة أرشيفية

صورة أرشيفية

هند هيكل

دائمًا ما كنت أخشى التعلق أو الاعتياد على شخص ما، وأضع حدودًا بيني وبين كل من أتعامل معهم، سواء في الدراسة أو العمل، وقبل دخولي في أي علاقة أفكر ألف مرة، قبل السماح لشخص ما بالاقتراب مني، مشكلتي كانت في التعلق، فأنا كالأطفال إن اعتدت على شخص ما، لا أتخيل الحياة بدونه، لا أستطيع العيش بعيدًا عنه، ولكن ما كان يؤذيني في أي علاقة التجاهل والبرود والردود المتأخرة بأنواعها، لا يعجبني تعليق الرسائل والمكالمات، أعتبره عدم تقدير واحترام وتقليلًا من ذاتي، ومثل هذه الأشياء تؤلمني وتصيبني بالضيق، وتبعث بداخلي رسائل كثيرة للتوقف عن هذه العلاقة المؤذية لي والجارحة لقلبي، ولكنني وبكامل أسفي إن تعلقت أشعر بالقلق عليه أكثر من قلقه على نفسه، أعاتبه، لا أستطيع الهجر والرحيل والتجاوز ولا أثق في قدرتي علي الابتعاد والتجاهل، أتمسك به لآخر لحظة، فأنا شديدة التعلق بمن يستحقني، ويقدر قيمتي ووجودي في حياته، وبرغم علمي التام بأن هذه العلاقات باتت تؤذيني الآن وتأخذ من روحي، أخشى التعلق بالآخرين كثيرًا لمثل هذه الأمور، يقول محمد بن إدريس الشافعي: "كلما تعلقت بـ شخص تعلقًا أذاقك الله مرّ التعلق، لـ تعلم أن الله يغار على قلب تعلق بغيره، فيصدّك عن ذاك لـ يردك إليه"..

 

التعلق لا علاقة له بالحب، ولكن يكمن عمقه في إشباع خلل ما بداخلك أنت مسئول عنه، وجاء إليك هذا الشخص الذي تعلقت به ليسد عنك خللك فتتمسك وتتشبث به، لذلك ستجد الذي يتعلق بشخص، لا يرى بالحياة غيره، يلازمه الشك والغيرة الجنونية، يحاصر من يتعلق به وإذا شعر أنه سيذهب بعيدًا عنه تجده يحاصرة بآرائه وأفكاره التي تجعله مقيدًا تحت رغباته، ثم يغلفها له عقله اللاواعي، "وإن شعور العَدمِ لأحن على القلوب من تواجدٍ كاذب، فالنفس إن فرغت من كل فانٍ سلمت من أذى التعلق وتلطفت عليها الدنيا ؛ فتوجز وتكفي"..

من المؤكد أن الشخص المتعلق حياته تكون تحت رحمة وتصرف ونوايا الآخر، فلا يشعر بالبهجة ولا بالسعادة ولا الانشراح إلا بوجود هذا الشخص معه، فالأمن والأمان يتخلخل عنده إن غاب عنه أو تركه فلان، والضيق والألم يحاصره وكأن الدنيا أنزلت ستائر سوداء على وجهه فلا يرى منها أى متعة أو فرحة، يقول شارلي شابلن : "لا تتعلق بأي شيء، المعاناة والألم أسبابها التعلق، التعلق جزء من الموت"..

لا يوجد أصعب من التعلق المؤذي، الذي يتسبب لك في الألم والوجع والكسر، ويسحب طاقتك، ويطفيك حرفيًا، ويعيق تحقيق أهدافك التي تحلم بها وأيضًا يعيق جذبها، ويسرق منك سنوات عمرك، عند الشعور بوجع أو بثقل على منطقة القلب، والإحساس بفقد البهجة والسعادة، والخنقة والضيق والملل، والشعور بفقد الأموال والراحة والاطمئنان، فهي العلامات التي لو وجدتها فيك فأنت متعلق، يقول الكاتب أحمد علي: "واكفنا يا رب شر الفُراق بـ أنواعه، وشر التعلق وأوجاعه"..

أما التعلق بالروح فهو الأصعب، فليس من السهل أن ترى روح من تعلقت به في شخص آخر لأنها واحدة لا بديل لها، حبك لروح شخص يلازمك طوال حياتك، عكس حبك لمظهره الخارجة، لملامحه، فهذا يعد انبهارًا ينتهى بمجرد أن ترى من هو أجمل منه، وحب التعود الذي تفر منه بعد فترة، فهو شيء فرضي يأتي بمرور الأيام، ‏وحسب الدكتور فيشر فإنّ هناك ثلاث مراحل من الحب، الشهوة، الانجذاب، التعلق، التعلق هو انتظار نتيجة ورد فعل معين من الشخص المتعلق به، أما التعلق يسحب طاقتك، يقول دوستويفسكي: "ستصل يومًا للنضجِ الذي يجعلك ترفض التّعلّق بعلاقةٍ مؤقتة، أو صداقةٍ باردة، أو جدالٍ أحمق.. أو التعلق بالزائفين"..

‏ توقف عن أي تعلق مؤذٍ واختر نفسك، توقف عن التمسك بالأيادي التي لا تُعيرك اهتمامًا، ارحل دون أن تنظر خلفك ولو لِلحظة، توقف عن التعلق بتلك العلاقات التي تُشبه الحبال الذائبة، قلبك يستحق أن يُنصَف ولو مرة، وأنت تستحق شخصًا يتمسّك بك بكل ما أوتيَ من قوّة لا أن تُترك في منتصف الطريق..

وسوم الارتباط التعلق المؤذي هند هيكل مقالات القاهرة 24 فك الارتباط

مواضيع متعلقة

عاجل "فندق وعيادات".. ننشر المقترح النهائي لـ"التخطيط" و"الصندوق السيادي" بشأن استغلال مجمع التحرير بعد إخلائه (خاص)