رئيس التحرير
محمود المملوك

"الرزق المخفي يا ريس بنداري"

القاهرة 24

في ملكوت الله يتأمل المتدبر بلحظة صفاء ذهني ما يدور في فلكه فيتعجب من واحدة ويتدبر الأخرى، يخرج من الأولى بحكمة ومن الثانية بيقين أن كل شيء لم يُخلق عبثًا، يتوارى في تأمله عن الخلق فيميز نفسه عنهم، يسرح بخياله حينًا ويشارك الآخرين بعضها.

ذلك الملكوت الذي أخبرنا الله عن بعضه في كتبه السماوية قُدِّر من قبل بدء الخليقة حتى نهايتها بسيناريوهات وضعت يعجز البشر عن وضعها حتى لو اجتمعوا في مكان واحد، ومن ذلك الإعجاز تدابير زرق خلقه عز وجل، فكيف يدبر أرزاق سائر الكائنات على وجه الأرض بسيناريو وضع قبل ولادة ذلك الكائن نفسه.

لم أكن أدري ماهية مقولة في أرزاقنا أرزاق مخفية يرسلها الله تعالى في وقت كتبه بمقدار ولا نعلم كيف نعطيها لصاحبها، حتى وقع أمر ما في صيف أحد الأعوام السابقة، فقد تعطلت مكواة الملابس خاصتي وهي لنوع قديم للغاية عفا عليه الزمان، شمرت ساعديّ لإصلاحها ثم توقفت برهة للتأمل قليلًا، مع أنني أستطيع إصلاحها، فعطلُها بسيط ولا يحتاج لخبرة كبيرة.

جلست على الأرض أتفحص تلك المكواة التي بإمكاني إصلاحها، ولكنني تدبرت لماذا تعطلت في هذا التوقيت وعمرها تخطى العشر سنوات وأكثر، وتعمل بشكل يكاد يصل للبدائية، فتأملت أن قدرها حان لأن الله كان قد رزقني بعمل إضافي سيخرج منه ثمن إصلاحها إلى صاحب المحل القابع فوق أسلاكه منتظرًا رزقًا بسيطًا.

وعلى الفور قمت بتركيب المكواة مرة أخرى ولم أشرع في تصليحها، وتيقنت من تلك المقولة وأبعادها، وكيف يسخر الله القدر حتى يرزق غيرنا من أرزاقنا، التأمل نعمة من نعم الله تعالى ستدرك وقتها أنه منحك عقلًا يفكر وهو أكبر نعمة مُنحت للإنسان ليميزه عن غيره من سائر المخلوقات.

100 جنيه تخرج من جيبك سيُرزق الآلاف منها، هكذا أفسر مقولة الرزق المخفي، فإذا تعطل هاتفك المحمول واحتاج تصليحًا لا تحزن فقد حان وقت المقولة لتجد نفسك ذاهبًا إلى محل الهواتف لإصلاحه، وتأكد أن المبلغ الزهيد الذي ستضعه في جيب صاحب المحل سيرزق منه الآلاف من البشر على ظهر الكوكب، وليس بلدتك التي تعيش فيها فقط ليتخطى آلاف الأميال وصولًا إلى صاحبه.

القابع في الصين ذو العيون الضيقة سيرزق من الـ100 جنيه التي خرجت من جيبك فإذا أصلحت الهاتف في الشارع الخلفي لمنزلك سيحتاج إلى قطع غيار يوردها تجار الجملة ممن يوظفون عشرات الشباب، وقطع الغيار تحتاج إلى شحنها فسيرزق كل من يعمل في منظومة الشحن البحري من العامل الحمّال حتى ربان السفينة، ليصل من تلك الأموال إلى الصين فيرزق منها العشرات أيضا.

هي منظومة تدور في فلك وضعه الله بقدرة تجعلك تتعجب من سيرها، فتجد نفسك في أحد المرات ماشيًا في مكان جديد لا تعرف فيه شيئًا لتجوع فجأة فتضطر إلى شراء بعض المأكولات من شخص سيرك الله إليه ليُرزق منك بجزء من قوت يومه، فينفق بعضه على عمله والبعض الآخر على بيته وأسرته، وأنت تسير؛ هناك العشرات يسيرون مثلك إلى ذاك المحل فيأكلون من نفس الشخص ليكتمل الرزق.

 

شعر

عليك بتقوى الله إن كُنت غافلًا.. فيأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري

فكيف تخاف الفقر واللهُ رازقٌ.. فقد رزق الأطيارَ والحوتَ في البحرِ

ومن ظن أن الرزقَ يأتي بقوةٍ.. لَما أكلَ العصفورُ شيئًا مع النسرِ

تزولُ عن الدنيا فإنكَ لا تدري.. إذا جَنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ