رئيس التحرير
محمود المملوك

أعطني الناي وغنِّ

القاهرة 24

• على قد غرابة القصة الحقيقية دي وتفاصيلها البعيدة عن المنطق لكن خلينا نركز في تفصيلة واحدة بس منهم.. الشاب الأمريكي "مايك موريل" شاب وسيم ودمه خفيف عايش في ولاية "أوريغون".. "مايك" غير أنه ذكي جدًّا ودماغه حرفيًّا تتوزن بالدهب بسبب عبقريته في مجال البرمجيات لكنه في نفس الوقت شخصية عاطفية وحنون لأقصى درجة!.. وهو فيه تعارض بين الاتنين؟.. مش أوي بس جرت العادة إن معظم النماذج للشخص العملي والناجح بشكل ملفت للنظر غالبًا ده بييجي على حساب أسرته وأهله وعاطفته.. جايز مش بتبقى شخصيته جامدة بس مابتبقاش بالليونة والرقة اللي تقدر تقول عن صاحبها بشكل قاطع إنه حنين.. بس "مايك" كسر القاعدة!.. جدعنة مع أسرته.. حنية جارفة مع أصدقائه.. دموع قريبة لو حصل لأى حد في دايرته القريبة أى أذى من أى نوع.. بس الحاجة اللي تضايق إن كل اللي حواليه ماكانوش بيستوعبوا محبته دي كما يجب أن يكون!.. منهم اللي كان بيشوف إنه مبالغ أوي.. ومنهم اللي كان بيشوف اللي هو بيعمله ده بـ اللغة بتاعتنا إحنا "مُحن" زيادة.. وفيه اللي كان بيشوفها تفاهة.. شافوها بكل الصور الممكنة غير إن حد فيهم يشوف محبته وخوفه عليهم في صورتها الحقيقية.. إنها "محبة" فقط لا غير.. شوية بشوية ده وصّل لـ "مايك" فكرة إن هو اللي غلط مش هما!.. وإن الزمن ده مش من ضمن اللغات بتاعته الحب ولا الناس بتقدر تستوعبه.. شوية بشوية كمان بدأ أفراد أسرته يتعاملوا معاه بقسوة فيها تحكم في كتير من قراراته!، وكإنهم أوصياء عليه أو كإن الحنية بتاعته خلّت عندهم إنطباع إنه شاب طايش أو طري وماشي ورا قلبه بالتالي لازم يفضل حد ماشي وراه في كل خطوة!.. اعمل ماتعملش.. سوي ماتسويش.. روح ماتجيش.. في نفس اللحظة كان "مايك" ساب شغله كموظف خدمة عملاء في واحدة من شركات البرمجيات على أمل إنه يعمل مشروعه الخاص اللي بيحلم بيه.. طبعاً صفر دعم من اللي حواليه.. وطبعاً صفر فلوس يبدأ بيها.. في لحظة عزلة مع نفسه وصل لقرار مهم، قاسي، وغريب.. قرر يقسم نفسه لـ 100 ألف سهم والسهم الواحد سعره دولار واحد.. إيه الهبل ده؟.. أيوا هو عمل كده.. عمل إعلان في كل المواقع على الإنترنت سنة 2008 إنه بيعرض نفسه للبيع.. طب واللي هيشترى الأسهم دي يا عم "مايك" هيعمل بيها إيه؟.. هيكون له الحق يتحكم في أى قرار ليا!.. جنان مش كده؟.. آه بس هو ده اللي حصل.. الموضوع كان غريب بس لقى اللي يمشي وراه ويشوفه جذاب وبعدين 1 دولار تتحكم بيها في إنسان يا بلاش!.. حتى لو هنعتبرها لعبة فالموضوع لطيف يعني ويستحق التجربة.. والنتيجة؟.. فيه حوالي 663 مستثمر إشتروا الـ 100 ألف سهم بـ 100 ألف دولار.. وبعدين؟.. بقوا متحكمين في كل حياة "مايك" من الألف للياء.. ها صباح الفل أفطر إيه النهاردة؟.. الإستجابة بأولوية الإجابة يعني أسرع واحد هيرد هو اللي هسمع كلامه.. يرد واحد من المستثمرين في الشات الجماعي اللي عملوه معاه: تفطر بيض وسجق.. يا سلام حاضر.. ويعمل كده فعلاً ويصور نفسه وهو بينفذ.. ألبس كرافتة لونها إيه مع البدلة الزرقاء؟.. ترد واحدة من المستثمرات بسرعة على الشات: تلبس كرافتة لونها أخضر.. مع إنه كان هيبقى أراجوز بس وافق.. وعمل كده.. طيب يا جماعة أنا دلوقتي معايا 100 ألف دولار اللي هي قيمة الأسهم اللي إنتم إشتريتوها؛ ها أنا في دماغي كذا كذا كذا إيه رأيكم؟.. يجاوبوه.. فينفذ اللي وافقوا عليه من خطته الاستثمارية ويرفض اللي هما يرفضوه.. هكذا.. كان بياخد رأيهم في كل تفصيلة في شغله وحياته بالكامل!.. الغريب إن شغله بقى كبير وشركته بقت مشهورة وبقت بتحقق أرباح ضخمة لدرجة إن سعر السهم الواحد بقى 18 دولار وإضرب بقى في 100 ألف سهم شوف الناتج هيطلع كام!.. سيبكم من كل ده.. كان فيه كذا سؤال عند الناس اللي عرفت قصة "مايك" عن السبب اللي خلاّه يعمل كده بس كلهم وصلوا لإجابة واحدة بس.. إن الراجل المعطاء اللي كان ماشي بيوزع حب على اللي حواليه لما لقى إن حبه ده مالوش ثمن ولا قيمة ولا اعتبار عند اللي بيحبهم فقد ثقته في معنى كلمة "الحب" نفسها وقرر يحول نفسه لآلة أو أداة بدون مشاعر ولا قرارات فيها أحساسيس.. الغريب إنه نجح، والأغرب إن أسرته وأصدقائه بيحاولوا معاه إنهم يرجعوه شخص طبيعي عادي زي زمان بعد ما حسوا بحجم الكارثة اللي عملوها وإنهم حولوه لشبح إنسان؛ لكن هو رفض وقرر يستمر في اللي بيعمله!.. قصة "مايك" الحقيقية دي اتكتبت في كتب واتعملت فيلم ونجحت لإنها كانت بتبين للناس إزاي إنك لو قفلت بمزاجك بابك في وش الحب فمش هيتفتح تاني غصب عنك.

 

• من المواقف اللي اتكتبت في جريدة "Chicago Tribune Newspaper" واللي كان لها مدلول مهم بعد كده؛ لما المواطن الأمريكي "بيل لاروك" كتب في باب قصص القرّاء إنه في نص الليل بالظبط وفي واحدة من أسقع أيام ديسمبر سنة 1999  سمع صوت جاي من حظيرة مزرعته الموجودة في وادى "سينجينج فالي".. خمن إنه صوت البقرة بتاعته اللي كانت على وشك الولادة بقالها شهر.. لبس هدومه التقيلة وخرج وهو بيقول: (لماذا تنتقي الأبقار دائمًا الطقس البارد لتلد فيه؟).. لقى البقرة نايمة على الأرض وبتضرب القش بحوافرها بعنف من ألم المخاض.. بشوية مساعدة بسيطة من "بيل" البقرة خلفت عِجلة لون عيونها عسلي ووزنها تقريباً 140 رطل وده كان ضعف الوزن المعتاد للسلالة دى!.. حاجة عظيمة حلو ده.. ماوقفش عند موضوع وزنها ده كتير ورجع على بيته مرة تانية عشان الدفا.. قبل الفجر بشوية قرر إنه يروح يبص على الحظيرة عشان يطمن على البقرة وبنتها.. دخل وقبل ما يفتح النور سمع صوت مص العِجلة المزعج لضرع أمها.. وهو بيتحرك ناحيتهم رجله خبطت في كتلة صلبة مدفونة وسط القش!.. بمجرد ما لمس الكتلة سمع صوت صرخة حادة.. ولّع النور.. لقى في ركن الحظيرة عِجل أسود مشوه مرمي على جنب!.. "بيل" فهم إن البقرة خلفت إتنين عِجل وعِجلة.. ورغم إنهم المفروض توأم لكن العجل كان شكله بشع لدرجة تخوف فعلاً.. راس كبيرة.. عنده سنام ضخم فوق ضهره - (أتب يعني)-.. رجليه اللي قدام قصيرين جداً وتخان على غير الطبيعى.. عينه الشمال موجودة بس العين اليمين مقفولة تماماً فيبان كإنه بعين واحدة!.. "بيل" نزل على ركبته و مد كفه عشان يلمس راسه.. العِجل مد بوزه بيتحسس ويشمشم في صوابع كف "بيل" فاكر إنها حلمات ضرع أمه اللي هيرضع منها.. "بيل" شاله عشان يقربه من جسم أمه وهو بيقول :(كيف يمكن للطبيعة أن تكون بهذه القسوة!).. الحقيقة إن العِجل كان فيه حالة نفور من أخته وأمه ناحيته.. لدرجة إنه لما كان بيقرب من أمه عشان يرضع كانت بتنطحه في وشه بقرنها فيتحدف لآخر الحظيرة!.. يقف بالعافية بيترنح ووشه كله دم عشان يقرب منها تاني وهو مُصر على الرضاعة!.. فيتكرر نفس الموقف تاني وتالت وعاشر ويزيد وشه شلفطة وتعوير أكتر ما هو!.. ماكنش بيقدر يرضع منها إلا في الوقت اللي هي بتكون مرمية فيه على الأرض عشان تستريح!.. في بداية الموضوع كان "بيل" وأولاده بيخافوا من منظر العِجل بس مشاعرهم من ناحيته اتغيرت تدريجيًا لما شافوه بيكافح عشان يقدر يعيش.. سموه "سايكلوب".. بعد كذا شهر بقى "سايكلوب" هو الحيوان المدلل لكل أفراد العيلة في المزرعة كلها.. تفاصيله كانت حلوة.. طريقة غندرته في المشية بتاعته بسبب تشوه رجليه.. لما كان بيمد راسه الكبيرة ناحية إيد أى طفل يقرب منه لحد ما الطفل يطبطب عليها فيهدى.. صوت الخوار اللي كان بيطلعه وهو مستمتع بقرقشة مكعبات السكر اللي كانوا بيدوهالوا.. حتى "بيل" كان عنده عادة لطيفة إنه بيحب يعزف على الناي رغم إنه من الآلات النادر تواجدها في الريف أساساً، وفي أمريكا عموماً لإنها آلة شرقية بس ماتعرفش حبها في قلبه وحصوله أصلاً عليها تم إزاي!.. المهم إن "سايكلوب" كان بيحب يقعد جنب "بيل" وهو بيعزف ويفضل يعمل بصوته الخشن أصوات متجاوبة مع الناي كإنه مبسوط وهو بيسمع!.. وزي ما كسب حب أهل "بيل"؛ مع الوقت برضه كان بيكسب حب باقي الحيوانات في المزرعة.. يعني بقى طبيعي لما تلاقي قطة راقدة على ضهره في الشتا عشان تتدفى بشعره.. أو كام فرخة يقفوا تحته عشان الضل.. كتكوت صغير ينط يقف فوق قرن "سايكلوب" وهو نايم يتغذى على القمل والحشرات اللي فوق راسه، بالتالي برضه بقى طبيعى لما تلاقي "سايكلوب" ماشى أغلب الوقت وفوقه الكتكوت ده كإنه جزء من راسه.. كسب حب كل الناس والمخلوقات في المزرعة إلا أفراد فصيلته!.. خلال السنتين الأولانيين مفيش ولا بقرة ولا عجل ولا ثور كان بيطيق وجوده.. رغم إن هو نفسه كان بيحاول كتير يتقرب منهم وكانت أسرة "بيل" بتلاحظ كمية الحب اللي في عيونه ناحية حيوانات فصيلته لكن كل محبته كانت بتتصد!.. لما وصل "سايكلوب" لسن 3 سنين كان بياكل طن تبن شهريًا ووصل وزنه لـ 1700 رطل وبدأ ناس من أسرة "بيل" يقولوا لازم نتخلص من العجل عديم الفايدة ده وليه نضيع وقتنا وفلوسنا في الإحتفاظ بمخلوق مشوه!.. جه فصل الربيع واللي بيحصل فيه موسم التزاوج.. قررت أسرة "بيل" إنهم يحبسوا "سايكلوب" خلال الموسم ده على أساس إنه ملوش لزمة يحتك بباقي البقر خصوصًا إنهم مش عايزين يخلّوا السلالة اللي بيربوها تتشوه بـ جيل مشوه جديد لو "سايكلوب" إتجوز!.. حطوه في قفص حديد كبير متحاوط بـ سلك.. كان بيلف جوا القفص الكبير على رجليه القصيرين اللي قدام بحركات عصبية وهو بيطلع صوت فيه أنين وبيبص على الثيران والأبقار اللي بره في المزرعة.. منظره كان مؤسف، وعشان "بيل" يهون عليه شوية كان بيروح جنب القفص ويعزف له على الناي!.. يومين بالظبط وفيه فِرة صابت كل العجول الذكور!.. ثم الأبقار الإناث!.. تك تك تك ورا بعض مات كل الثيران والبقر اللي في المزرعة ومتبقاش غير بقرة واحدة بس.. لسبب غير معلوم الوحيد اللي متصابش في الفِرة دي كان "سايكلوب"، والبقرة اللي فضلت بره.. "بيل" لما فاق من صدمة خسارة كل حيوانات مزرعته تقريبًا شاف إن مفيش داعى يفضل "سايكلوب" محبوس ومنظره يقطع القلب بالشكل ده.. خد قراره بإطلاق سراح "سايكلوب"؛ اللي مجرد ما خرج كانت البقرة موجودة في المزرعة.. قرب منها بحذر.. مال براسه لفوق عشان يقدر يطول كتفها.. سمحت ليه إنه يريح راسه فوق كتفها.. ضرب الأرض بحوافره وأطلق صوت خوار هادى.. حصل التزاوج بينهم!.. لمدة سنتين بعد كده كان  "سايكلوب" هو أبو الجيل الجديد من الثيران والأبقار اللي بدأوا يتولدوا وكانوا في قمة الصحة والجمال على عكس شكل أبوهم!.. بعد سنتين من الموقف ده كان عُمر "سايكلوب" 5 سنين بالظبط لما كان متمدد تحت الشجرة اللي متعود ينام تحتها وفيه كتكوت تاني فوق راسه بينظف له راسه والأطفال بيلعبوا حواليه وبيعاكسوه بس الفرق الوحيد إن قلبه كان متوقف!.. مات "سايكلوب" بعد كمية حب مهولة كان بيوزعها على كل اللي حواليه رغم إنه ماكنش شايف منهم ربع اللي بيقدمه وتحديداً أبناء فصيلته اللي كانوا رافضينه.. مات عشان يسيب في "بيل" وأسرته وحتى باقي حيوانات المزرعة درس إن الحب قيمة كبيرة مش بتطلع غير من اللي قلوبهم بيضاء، ومش بيحس بيها إلا اللي قلوبهم بيضاء.

 

• الحب قيمة كبيرة مش بتطلع غير من اللي قلوبهم بيضاء، ومش بيحس بيها إلا اللي قلوبهم بيضاء برضه.. الدنيا هتعلمك يعني إيه "الحب".. التجارب هتعلمك "تحب مين".. والأزمات الصعبة هتعلمك "مين اللي بيحبك".. الباب اللي بيتقفل النهاردة عن عمد وبالمزاج في وش حب حقيقي؛ مش هيتفتح تاني بكره غصب عنك حتى لو بقى ليك مليون مزاج.

عاجل