رئيس التحرير
محمود المملوك

أميرة قطب تكتب: عندما تخلى وهبي بك السوالمي عن جبروته لتجفيف دموعي

القاهرة 24

موقف لم أتحدث فيه من قبل لكنني قررت أن أحكيه... موقف لا أستطيع نسيانه سواء من القسوة التي تعرضت لها به أو من الحنان والشفقة التي صادفتها في نفس الليلة التي لم يكن لي أي هدف فيها سوى الانتهاء من شغلي في أفضل صورة له والعودة ليلاً إلى منزلي بصحبة فريق عمل برنامجي الذي عملت به كمراسلة للمرة الأولى بحياتي.

الحكاية كانت عام 2008 والمكان كان مزرعة أشرف عبد الباقي بمنطقة الصليبة، والحدث هو تصوير مسلسل "دموع في حضن الجبل" بطولة الثلاثي النجم يوسف شعبان رحمة الله عليه والفنان أحمد عبد العزيز والفنانة نرمين الفقي، وهو العمل الذي كان يمثل عودة ثنائية لأحمد عبدالعزيز ونرمين الفقي في محاولة لتحقيق النجاح الذي حققاه في مسلسل "البحار مندي" ولكن من خلال دراما صعيدية جديدة اختارها يوسف شعبان أيضا لتأكيد نجاحه المدوي في الدراما الصعيدية بعد تحقيقه أعلى نجاح من خلال شخصية "وهبي بك السوالمي" في مسلسل "الضوء الشارد" أمام نجم الدراما الراحل ممدوح عبد العليم.  

ووقتها كنت قد قررت الذهاب لكواليس التصوير مخصوص ليس فقط لتغطية العمل وإجراء لقاءات مع أبطاله لكن لمحاورة النجم يوسف شعبان للمرة الأولى في حياتي ومواجهته بسؤال كان بالنسبة لي هو الأهم، وهو لماذا لم يكرر التجربة الصعيدية بعد نجاحه في الضوء الشارد عام 1998 وابتعد عنها لتقديم أدوار متعددة اجتماعية في فترة الـ 10 سنوات هذه مثل "الفهلوي" ، "أوراق مصرية" ، "حارة المعروف " ،"أحلام وردية" ، "ميراث الشر" ، "لن تسرق عمري" ، "على الحلوة والمرة"، "مذكرات ضرة"، "أحلام مؤجلة"، "السفينة والربان" ،العائلة والناس"،"حروف النصب"، "أمشير"،"حمزة وبناته الخمسة"،"حواري وقصور" ، "رجل على الحافة"،"كومي و3 بنات"، "أميرة في عابدين"، "الحقيقة و السراب"، "أحلام في البوابة"، "القرار"، "شرخ في جدار العمر"، "اسمهان"... وغيرها من الأعمال؟.  

وكان المتبع هو تنسيق الفضائيات مع الجهة المنتجة لأي عمل للاستئذان للتصوير مع أبطاله، وهو ما حدث بالفعل، ووقتها سمحت لنا شركة صوت القاهرة المنتجة بالتصوير بعد تحديد يوم معين يجتمع فيه النجوم بصحبة مخرجهم الراحل العظيم أشرف سالم الذي شرفت بالتسجيل معه أولا، وكان بداية التعارف بيني وبينه والذي لتواضعه قام بنفسه بعد انتهاء اللقاء واصطحبني لاستئذان النجوم للتصوير وتعريفهم بي وهو ما تم بالفعل مع النجم يوسف شعبان الذي كان يستعد لتصوير أحد المشاهد بالعمل، وطلب مني وقتها أن نبدأ اللقاء بعد انتهاء المشهد مباشرة على أن أنتهي من تصوير لقاء الفنان أحمد عبد العزيز أولا، وهو الذي كنت قد ذهبت له مسبقا مع المخرج أشرف سالم إلى غرفته ولم يُبدِ اعتراضًا على عمل اللقاء ولا قبولًا أيضًا، حيث كان يردد "إن شاء الله.. إن شاء الله".

لكن بعد انتهائه من مكياجه ولبسه ذهبت له لعمل اللقاء، لكنني فوجئت برد فعله العصبي ورفضه التام وعندما سألته عن السبب قال أنه لن يجري أي لقاءات دون مقابل مادي.  

وقتها حاولت أن أشرح له أن طبيعة برنامجي هي التغطية الإخبارية وليس من نوعية برامج التوك شو المعروفة بتخصيص ميزانية بها للنجوم، إلا إنه اعترض بعنف ووجه لي سؤالًا لم أتوقعه من نجم بحجمه وهو – ليه إنتي ما بتاخديش مقابل شغلك دا عشان أنا أطلع معاكي من غير مقابل مادي؟-

فكان ردي عليه أني مراسلة صغيرة في برنامج صغير لكنك النجم أحمد عبد العزيز الذي لا يلتفت لتلك الأمور خاصة وأن العرف المتبع في وسطنا هذا أن برامج التغطية لا يوجد بها ميزاينة .. لكن كان رده القاطع بـ"لا .. اللقاء بمقابل وبموعد مسبق معي وليس مع الإنتاج وفي يوم آخر".

في الحال كان ردي صارمًا ومندفعًا كعادتي بالاعتذار عن حضوري له من الأساس وعن تنفيذ طلبه وتركته وغادرت غرفته أنا وفريق عملي.

وكان اللوكيشن عبارة عن فيلا بمنطقة ريفية، وغرف الفنانين بالدور العلوي، ومكان التصوير خارج الفيلا، وفي الفترة من نزولي من الغرفة حتى خروجي لمكان تصوير النجم يوسف شعبان كنت قد غرقت في دموعي التي انهالت لا أعلم كيف لمجرد إحراجي والتعالي عليّ من نجم لطالما أحببته وأحببت أدواره التي تابعتها جميعها، ووقتها كنت قد تأخرت على النجم يوسف شعبان الذي انتهى من تصوير مشهده وبحث عني وانتظر ظهوري للتصوير معي، لكن كان المخرج أشرف سالم رحمة الله عليه كان قد بدأ تصوير مشهد آخر وهو لفرح صعيدي يرقص من خلاله يوسف شعبان على فرسه وينضم له أثناء أحداث الفرح النجم أحمد عبد العزيز.

انتظرت قريبة من التصوير حتى انتهاء المشهد لكن عقلي وفكري كان مشتتًا للغاية ودموعي لم تتوقف، وانتهى تصوير المشهد وفوجئت بصوت عالٍ يناديني من بعيد "أميرة .. مالك .. تعالي" كان للفنان يوسف شعبان الذي انزعج من شكلي وأصر أن يعرف ما حدث معي إلا إنني رفضت لانهياري حتى سرد له أحد زملائي بعصبية ما حدث.

بكل حب وشياكة وأخلاق طلب لكرو عملي واجب الضيافة واصطحبني بعيدًا على "دكة" صعيدي، وبدأ يعطيني ثقة أكبر في نفسني، ويطرد كل الأفكار التي طاردتني في تلك اللحظة، ويقول لي .. "هو أنا ما أكفيش؟" "أنا معاكي للصبح نعمل لقاء واسأليني كل اللي عايزة تعرفيه" وكان جوابي له "إن النجومية أخلاق وهو ما أجده أمامي الآن لكني صدمت به وأنا أحبه مثلك بالضبط"، رد وقال بضحكته المعتادة ذات الصوت العالي.. أحسن يكون فاكر إنه لسة بيصور ذئاب الجبل؟ دا دموع في حضن الجبل؟ فضحكت للإفيه الذي قاله لي وما كان به إلا أن يقول .."أيوة كدة اضحكي يا شيخة يمكن تكون فيه حاجة مضيقاه.. ما أنا مش هسيبك إلا أما تضحكي.. يالا نعمل اللقاء".

وأثناء عودتنا لفريق العمل سألته: "حضرتك ليه وقفت الصعيدي من وقت الضوء الشارد ورجعت للاجتماعي بعد النجاح اللي حققته؟ أوقف السير وقال لي .. "هي دي الأسئلة دا المراسل اللي مذاكر ضيفه صح لأن دا الخطأ فعلا اللي وقعت فيه ومعرفتش استغل نجاح وهبي السوالمي وأوظفه صح، وقلت ساعتها أختلف، لكنني أخطأت في ذلك.. معك حق ولهذا السبب فأنا هنا في حضن الجبل اليوم وأتمنى تحقيق نفس النجاح.. يالا نبدأ اللقاء".. وانتهى اللقاء وانتهى اليوم وأصر أن يصل معي لسيارة البرنامج التي أتيت بها رفقة زملائي، وودعنا وطلب منا لو نلتقي في كل عمل.

طبعا حتى الآن لم أعلم ملابسات هذا اليوم مع النجم أحمد عبد العزيز الذي انتظرته فيه ثم رفض عمل اللقاء، لكنني بيني وبين نفسي شكرته لما صدر منه لأنه كان بوابة علاقة قوية بنجم من نجوم زمن لم أعاصره ولكنني فزت بمعرفته الراقية الجميلة، وما أحزنني بالفعل هو سماع خبر مرضه الذي هزني خاصة وأنه بهذا المرض اللعين، ثم خبر وفاته.. رحم الله نجمًا برع في تقديم كل أدواره برع في بناء الثقة بينه وبين جمهوره منذ ظهوره على الشاشة عام 1961 حتى لحظة وفاته رحم الله ابن شبرا رحل "يوسف شعبان شميس" لكن مواقفه وأعماله باقية.