رئيس التحرير
محمود المملوك

هدى زكي تكتب.. ثوب الفضيلة المهترئ وشرف الكلمة

القاهرة 24

قد تندهش حتمًا عندما تدرك أنك تحيا وسط حفنة من القتلة المتسلسلين، أعتى الجناة وأشدهم فتكا، هؤلاء ليسوا بعيدين، أو تعلم كم جرائمهم التي قيدت ضد مجهول؟، تلك الألغاز الممتنعة عن الحل؟!..، قد يلقاك أحدهم منتشيًا فاتحًا ذراعيه لاحتضانك وهو ينفض عنه دماء ضحاياه المسحولة خلفه، يلقي عليك التحية بابتسامة عجوز خبر الدنيا وزهدها، بينما يرمقك بعين ذئب شرس يستعد لغرس مخالبه الحادة في أحبالك الصوتية فور اهتزازها.

هؤلاء ما يخبئون في غمدهم سوى كلمة!، وما أدراك ما الكلمة؟، "ما دين المرء سوى كلمة، ما شرف الرجل سوى كلمة، ما شرف الله سوى كلمة، مفتاح الجنة في كلمة، دخول النار على كلمة، وقضاء الله هو الكلمة، الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور" كما قال الشاعر والأديب والمفكر والمؤلف المسرحي عبدالرحمن الشرقاوي في "الحسين ثائرا"..

بقدر ما تحمله الكلمة من هزائم وانتصارات يظل نصلها على حدته في الأذهان لا يصدأ أبدا، قد تدفع الإنسان من على شفا جرف هارِ ليسقط سقطته الأخيرة أو يتكئ عليها لتعلو به وينجو، وفي زمن اختلط الحابل بالنابل وصار الحق فيه مجهولا والباطل مقرونا بشحذ الألسنة، أطلقت منصات التواصل الاجتماعي بلا أدني مسؤولية أخلاقية أو إنسانية العنان لجنون سرمدي ينتهك الخصوصيات ساخرا من كافة المبادئ والمعتقدات تحت شعار حرية الرأي والتعبير، سعار من التعليقات التي تمتهن كرامة الأشخاص وتتنمر على كل ما يلوح في الأفق أمامها وتقفز فوق القيم الإنسانية والتقاليد المجتمعية، وسيل جارف من الفتاوى الملتوية بالفهم المغلوط لصحيح الدين التي دأب أصحاب الفتن على بثها عبر تلك المنصات لغسل الأدمغة بضلال مقنن.

تحولت السوشيال ميديا لساحة محاكم فأصبحت سلاحًا ذا حدين بين كونها وسيلة لحظية لنقل الأخبار وتوثيقها والتواصل بين الأصدقاء وتوجيه الرأي العام لمناصرة قضايا حقوقية وبين اعتبارها أداة للتنمر والتشهير والابتزاز وتراشق الاتهامات والسباب ، سعي محموم من أجل الاختلاف وسط هذا العدد الهائل من مستخدمي تلك المنصات حيث بلغ عدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي النشطين في بداية هذا العام حوالي 4.2 مليار مستخدم نشط بحسب مع ورد من بيانات في التقرير العالمي "ديجيتال 2021" بزيادة تقدر بـ 490 مليون مستخدم نشط جديد بنسبة 13.2 % مقارنة بعدد مستخدمي الشبكات الإجتماعية في نفس الفترة من العام الماضي.   

ووفقا لإحصاءات موقع  statcounter العالمي فإن فيسبوك كان له النصيب الأكبر بين مستخدمي المنصات الاجتماعية في مصر بنسبة 66.62 %، يليه اليوتيوب بنسبة 20.64 %، ثم تويتر بنسبة 5.63 % ، وانستجرام بنسبة تبلغ 4.43 ، وهو ما أدى لاعتماد تلك المنصات كوسيلة معلوماتية وترفيهية واعتبرها البعض الآخر ساحة لاستعراض العضلات والترهيب والسفسطة لفرض قناعاته الذاتية، دأب هؤلاء على تأليه الذات وعبادة النفس والتحقير ممن سواهم فهم المنزهون عن كل الخطايا ولسان حالهم يقول " لا أعظم مني عندي "، بينما تكاد أوزارهم تدك عظام ظهورهم، مدججون بطهر زائف، يتبخترون بثوب الفضيلة الفضفاض غير أنه ممزق من خلف يكشف عن عوراتهم، إبليس في الجنة يعظ هل أدلكم على شجرة الخلد؟

إن حرية التعبير عن الرأي تنقلب إلى جريمة يجب أن يعاقب مرتكبها قانونيًّا إذا اقترنت بالعبث بأمن الآخرين واستقرارهم النفسي والمجتمعي والتنمر عليهم وخلق الفتن والصراعات بين أبناء الوطن الواحد، فنحن جميعًا بحاجة لممارسة الحرية المسؤولة بضوابط ومعايير فلا نهين أو نهان ولا نضل أو نضلل، فالفضيلة لا تجتزئ وكل إناء ينضح بما فيه، وكسب الود أولى من التناحر وكما قال الله تعالى في كتابه الكريم :" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"، وفي سورة ق قال تعالى: "مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ "وهو ما صدقه قول رسوله الكريم حين سأله عقبة بن عامر رضي اللّه عنه عن النجاة فقال محمد صلى الله عليه وسلم: "أمْسِكْ عَلَيْكَ لِسانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ على خَطِيئَتِكَ".

أصبح لزامًا علينا أن نتقبل اختلافنا واحترام حرية الآخرين وأن يتوقف البعض عن ممارسة جنون ادعاء المثالية لصرف النظرعن نفوسهم المشوهة، فجميعنا يخطئ ويصيب لسنا بملائكة أو شياطين ولا نملك مفاتح أبواب الجنة أوأسوار الجحيم، وحسبك أن تحيا إنسانًا يعي متى تكون الكلمة مصباحًا ينير الطريق أو طعنة نافذة بالصدر فتكف أذاك عن غيرك، ولتقل خيرًا أو لتصمت.