رئيس التحرير
محمود المملوك

"سؤال بن شرقي".. خلق أزمات سياسية من اللاشيء

جانب من الامتحانات
جانب من الامتحانات

قدم دكتور في كلية الحقوق جامعة سوهاج نموذجًا كاشفًا لما آلت إليه الأمور داخل وطننا الحبيب، هي واقعة بالأساس كما قُلت كاشفة، حيث إن الثوابت في كثير من الأحيان أصبحت متغيرة، في العشر سنوات الأخيرة، حتى قواعد الطبيعية بدورها قد تغيرت، باكتشاف عديد من المعطيات التي بدورها قد تُحدث تغييرًا جذريًا في وضع مفاهيم جديدة لتعريف الأشياء.

 

نرجع إلى الواقعة، حيث فوجئ طلاب الحقوق بجامعة سوهاج في امتحان مادة القانون الدولي الخاص، وتحديدًا فرع "تنازع القوانين واختصاص القضاء الدولي"، بسؤال يفترض وفاة لاعب نادي الزمالك "بن شرقي" المغربي المولد، وهي الواقعة التي أثبتت وجود نوع جديد من الغباء السياسي، لم يكن موجودًا من قبل.

 

لم يدرك "مدرس" القانون الدولي الخاص أهمية ما يفعله، لولا وجود "السوشيال ميديا"، ولم يكن في باله أيضًا ما يمكن أن يؤول إليه هذا السؤال تحديدًا، من أزمة دبلوماسية  محتملة بين مصر والمغرب ، فلدينا كثير من التصريحات لفنانين وإعلاميين في وقائع مشابهة، أدّت إلى أزمات فعلية لولا أن تم تجاوزها بالدبلوماسية المصرية، ولنا في واقعة الإعلامية الشهيرة خير مثال وقت أن هاجمت الرباط.

 

الفكرة لا تقتصر على عدم الفهم فقط، لما يجرى من متغيرات كثيرة على عالم السياسة، حتى إن افترضنا أن "مدرس القانون" لا يفقه شيئًا من القوانين التي يقوم هو بتدريسها للطلاب، فكيف يكون "معلمًا لقانون دولي"؟! وهو لا يدري بالأساس الأزمات السياسية التي من الممكن أن تنشأ بين الدول، بل بكلمة واحدة قامت الحرب العالمية الأولى، وبتصريحات "غير مسؤولة" خسر الرئيس الأمريكي ترامب منصبه.

 

حينما ينقلب السحر على الساحر..

لا أدخل في مكنونات الدكتور الجامعي، ولا تكوينه الثقافي ولا حتى مرجعيته الفكرية القائمة على الاستهزاء والاستدلال، فحتى هنا الاستدلال فساد، الفقيه الجنائي الدكتور أحمد فتحي سرور، يؤكد مبدأ أصيلًا في التقاضي هو "فساد في الاستدلال يؤدي إلى فساد في الحكم يستوجب نقضه" تلك القاعدة الفقهية تخص القانون الجنائي، ومن الممكن أن تسقطها على هذا الفرع من القانون.

 

بنى "الدكتور الجامعي" سؤالًا على شيء فاسد في المضمون وفاسد في الاستدلال، ولولا وجود "السوشيال ميديا" لكان من الممكن أن تمر الواقعة مرور الكرام.

 

لو نظرنا إلى تلك الواقعة، وأصدرنا عليها حكمًا، فلا نعلم هل سيكون هذا الحكم كافيًا أو لا؟ والحقيقة أن مثل هذه الأفعال لا تصدر إلا ممن يفتقدون حس المسؤولية المجتمعية، بل ترقى إلى مصاف "نقص الأهلية"، التي تستوجب الوقوف عندها، ولنقُل هل كان في مخيلة الدكتور الجامعي المرموق أن يتحول هذا السؤال إلى نكبة عليه، أكاد أجزم بأنه لم يدرك ما فعله إلا بعد أن أًصبح الأمر أكبر منه، وتجازوه هو شخصيًا.

 

يقول المثل المصري الأصيل (يعملوها الصغار ويقعوا فيها الكبار)..

 

لو افترضنا أن الفعلة توصف بأنها على سبيل "الهزار" (سمِّها هكذا)، فحتى هذا الوصف للأشياء له حد، ولا بد لإنسان عاقل رشيد، بلغ من العلم مبلغ الرجال، أن يفرق بين الهزل والتجاوز حد الأزمات.

 

خلق الأزمات السياسية بين الدول، تخضع لمعطيات عدة، منها ما قد يصل إلى الاستفزاز، فتقطع العلاقات والتمثيل الدبلوماسي، ويصل الأمر إلى حد التلاسن في المنظمات الدولية، ومنها ما يجلب الضغينة في التعامل الدولي، فعلاقة الدولة ببعضها أشبه بعلاقة الأشخاص.

 

تكشف الواقعة كما قلت سوء فَهمٍ لما يدور في كواليس السياسة الدولية، ولا نقول متعمدًا، فالحكم على هذه الواقعة يجب أن يسترعى الوقوف عندها، وأن يكون الحكم على صاحبها به شيء من الشدة حتى لا تتكرر تلك الفعلة مرة أخرى.

 

لو نظرنا إلى التحرك الرسمي، تجاه الواقعة، نجد تأخر بعض الشيء، فكما قلت لولا السوشيال ميديا، لكان من الممكن أن تمر الواقعة، فآليات التحرك وفقًا للبيروقراطية المصرية عتيقة بعض الشيء.

 

كان أول تحرك رسمي من عميد الكلية، هو إحالة الواقعة للتحقيق الإداري، انتهت بإنهاء ندب الدكتور، وإحالته إلى جامعته، واتصال من وزير التعليم العالي باللاعب لتهدئته.

وهذا التصرف في الحقيقة يقودنا إلى تساؤل ملح:

ما الآلية في وضع الأسئلة، وما نوع المراقبة على تصرفات المسؤولين؟

الوضع كارثي ولا يحتمل التخاذل والتهاون، فهناك الكثير من التحديات أولى أن تلتفت الدولة إليها، وليس من دورها علاج الأمراض النفسية التي تظهر علينا بين الحين والآخر.