رئيس التحرير
محمود المملوك

هند هيكل تكتب: هي الذات

القاهرة 24

 

من أنا؟ ومن أكون؟ وماذا أريد؟ تلك هى الأسئلة المتكررة التى تشغل تفكيرى، وتسيطر على جزء كبير من وقتى، وحياتى، ومشاعرى، تلك هى فترة اكتشاف الذات، الفترة الأصعب، والأزمة الحقيقية فى حياة الشخص المتردد الذى لا يعرف ماذا يريد، ومن أين يبدأ، فهى أشبه بالصدمة الخفيفة التى يليها صمت وأحلام مزعجة، وصعوبة فى الحركة، فهى تأخذ لمحة على الخراب الذي عُمِّر بداخلك وما خلَّفه الصمت والصدمة، هى فترة تكتشف فيها ذاتك رغم الألم واللا وعى الذى يسيطر على حياتك، ‏هي لحظات أو ساعات قليلة في حياتي احسست فيها أن حياتي لها معنى! أحسست أننى مجبرة على الوعى والانغماس فى أعماق نفسى لاكتشف كل ما فيها من عيوب وميزات، أحسست أننى فى حالة من الاستعداد لتحديد أهدافى وميولى وطموحاتى، اكتشفت وقتها أن الإنجاز وتحقيق الأهداف والطموحات غير مرتبط بعمر أو مكان أو دراسة معينة، ولكن من رؤية واقعية لمن حولي وإطلاعي على مجريات الأمور، بدأت فى اكتشاف ما أريده، وما الذي أميل إليه، وما الذي يجعلنى سعيدة، إن أتقنته وطورت من ذاتى وتميزت فيه، يقول باولو كويلو: "مُحاولة اكتشاف الذات هي من أصعب المهام وأكثرها متعة، هي المغامرة الوحيدة التي تُعطي لحياتنا قيمة ولإنجازها هناك طريقتان: القراءة وخوض التجارب، وربما لا يكون أحدنا محظوظًا ليخوض تجارب كثيرة في حياته، لكن معظم الناس يستطيعون أن يقرأوا".

‏لا لذة تضاهي لذة حب الذات، واكتشافها والتعمق بها، شعور النشوة بالتعمق داخل ذاتك أكثر فأكثر يسبب الإدمان، ولا تنفك عن اكتشاف ذاتك فتصبح محبتك لها في ازدياد، عندما أصف لذة هذا الشعور فأنا أضم له جميع المشاعر والتجارب السعيدة والسيئة المبهمة والواضحة، لا يمكنك اكتشاف ذاتك تحت حالة شعوريةٍ واحدة، فكلما تعاملت مع الحياة بمرونةٍ أكثر استطعت أن تعيش وتنجو بذاتك وتحبها أكثر.

 

عمر العشرين هو العمر الحقيقى لاكتشاف النفس وتحقيق الذات، ويبدأ من سن 18 إلى 24 سنة، سنوات اكتشاف الذات والعمل عليها وتطويرها وبناء المستقبل والتفكير فيه، وهى أهم فترة فى الحياة، أما بداية من سن 25 سنة، فتصبح إنسانا كاملا ناضجا وواعيا، يعرف طريقه ووجهته وأهدافه، لا شك أن هذا التصنيف يختلف من شخص لآخر ومن فكر لآخر ومن تخطيط شخص لآخر، لأن اكتشاف الذات فى العشرينات عملية مستمرة ومتغيرة، بل ومختلفة تمامًا عن فترة الثلاثينات، يقول جاكسون بولوك: "اللوحة هى اكتشاف الذات، كل فنان جيد يرسم ذاته".

‏‎لكى تجد نفسك عليك أولًا أن تعرفها جيدًا، اكتشاف الذات أهم من اكتشاف العالم، معرفة النفس تصل بك إلى مرحلة الإكتفاء الذاتى، كن واعيًا وإيجابيًا وأجتهد فى اكتشاف ذاتك، مميزاتها وسلبياتها وأعمل على دعمها وتطويرها، فإن الإيجابية اختيار ولها  فوائد متعددة، حيث بفضلها ستتمكن من اكتشاف ذاتك والإنصات لها، وتحقيق التواصل الداخلي مع نفسك، بكل أريحية لتصحيح أخطائك وتدارك العثرات بكل هدوء واتزان، والوصول لمرحلة تقبل الذات كما هي دون الإنغماس في اللوم والتجريح، بل ستسيطر عليك روح الرضا والراحة والشغف والتفهم لطبيعة الذات، والتفهم بأن نفهم ذاتنا ونتقبل أخطاءها، ونعلمها بأن الخطأ وارد ولا أحد معصوم منه، وأيضًا نكتشفها مبكرًا فكلما تم أكتشاف الذات باكرًا كلما كان الشخص أقرب لذاته، وهناك من يعيد اكتشاف ذاته بعد خسارتها، ذلك هو الكنز خلف الجدار العتيق المنهار، بمجرد ارتفاع الأنا لديهم وظنهم المشين بأنهم "واو" واعين ومتمكنين جدًا فهم بذلك يسقطون من قمة اكتشاف الذات إلى وحل الاغترار الكاذب بالذات والذي نستعيذ منه، وهناك من عاشوا وماتوا ولم يعرفوا أنفسهم ولم يكتشفوا حقيقتها ولم يتصالحوا مع ذواتهم، لهذا ظل اكتشاف الذات هدف الجميع.