رئيس التحرير
محمود المملوك

نعمان المنذر يكتب: البعد الفلسفي والثقافي للحركة الصحفية المتأنية

نعمان المنذر
نعمان المنذر

في خاتمة مقال سابق، ذكرت أن “الصحافة المتأنية ليست مجرد اختيار جمالي أو تقني؛ إنها انحياز فلسفي أيضاً”، وهو ما وضع عديد الأسئلة حول تلك الفلسفة وأشكال انحيازاتها؛ بل وحتى الظروف المحيطة بظهورها وأسباب تنامي الأصوات الداعية والداعمة لها.   

الصحافة اسم جمع، وهي دائماً ما كانت متنوعة الأنماط، وعوضاً عن رؤيتها على أنها كتلة واحدة، مثلما يطرح البعض فرضية أن يعمل شكل واحد من الأخبار على تحسين الصالح العام عبر حزمة من السياقات، يتبادر إلى الأذهان - ومنذ الوهلة الأولى - تساؤل مهم، هل من الممكن لنا أن نفكر في أشكال مختلفة من الصحافة ذات جوانب وتعريفات ووظائف متعددة بالضرورة؟

 دعونا نشرع في إلقاء الضوء على تعريفات مختلفة للصحافة عبر اشتباك مفاهيمي أكاديمي للعديد من أساتذة الصحافة عبر العالم، والبداية مع تعريف مايكل شدسون، الأستاذ في كلية الدراسات العليا للصحافة بجامعة كولومبيا والخبير في تاريخ الصحافة، حينما وصفها بأنها "العمل أو الممارسة من أجل إنتاج ونشر المعلومات حول الشؤون المعاصرة ذات الاهتمام العام".

في المقابل، يرفض جون هارتلي، الأكاديمي وأستاذ الصحافة والإعلام والدراسات الثقافية بجامعة كارديف، الحصر التقليدي للصحافة في الأخبار العاجلة الفورية؛ وكذلك هو الحال مع أستاذة الإعلام وعلم الاجتماع بجامعة إيراسموس روتردام، ليسبيت فان زونين، التي ترى في الصحافة وظيفة اجتماعية أوسع نطاقاً تتمثل في تزويد الناس بالمعلومات لغرض فهم الواقع، سواء كان ذلك في المجال العام أو حتى في شؤونهم واهتماماتهم الخاصة.

الصحافة مصطلح يشير إلى ما هو أكثر من أخبار اليوم، وأكثر من العواجل؛ ورغم ارتباط الصحافة في العادة بالأخبار، يذهب ميتشيل ستيفنز، المؤرخ الصحفي وأستاذ الصحافة والاتصال الجماهيري في معهد آرثر ل، كارتر بجامعة نيويورك، إلى ضرورة فصل الصحافة عن الأخبار الآنية والفورية، وما يترتب على فك الارتباط هذا من تقليل في نمط السرعة واللحظية اللتان تسيطران على المجال الصحفي العام.

لذا، لا أرى أي جدوى من محاولة إغلاق المجال العام المفاهيمي للصحافة وجعله حكراً لمجموعة ضيقة من الوظائف الإعلامية مع تجاهل قدرة الصحافة على التعامل مع خطابات ثقافية أوسع، حيث المتعة والربحية معاً.

وهنا لا بد لنا من التذكير بالوظيفة الكلاسيكية للصحافة وهي التوثيق والفرز اليومي للأحداث، وكيف تم تقويض هذه الوظيفة من خلال السرعة المجنونة لإنتاج الأخبار عبر الإنترنت مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي. حيث أدى ضغط الأخبار الفورية والعاجلة إلى تراجع معيار الدقة وكفاءة البحث والتحقيق رغم ندرة مغادرة الصحفيين لغرفة التحرير.

 ومن جميع ما سبق، ظهرت الحاجة إلى حركة صحفية جديدة يرى فيها كثيرون أنها حركة تصحيحية تبتعد من خلالها الصحافة عن المسار الرقمي السريع، ومن ثم تبدأ في استثمار وقتها ومالها في قصص ذات مضمون أوسع وأشمل، وبأسلوب سرد أدبي، إنها حركة الصحافة المتأنية.

في إحدى محاضراتها، تضع ميغان لو ماسييه، أستاذة الإعلام في جامعة سيدني، التأني عنواناً يراه البعض اسماً لحركة اجتماعية فيما يصفه آخرون بأنه ثقافة فرعية، وما بين هذا وذاك تذهب لو ماسييه إلى أنه مع تعدد التعريفات، فالمحصلة تقول أن التأني ما هو إلا عملية هدم متعمدة للسرعة المؤثرة على حياتنا وآثارها السلبية على مدار الساعة.

جاء مصدر الإلهام لحركة التأني والبطء من الغذاء، والتي بدأت احتجاجاً على الوجبات السريعة في روما عام 1986. يقول كارلو بيتريني مؤسس حركة Slow Food ومؤلف العديد من الكتب التي تشرح فلسفتها وأنشطتها، أن الغاية ليست معارضة الوجبات الغذائية السريعة فقط؛ بل إنها تعتبر رداً حاسماً لتعزيز ثقافة المجتمعات المحلية والحفاظ على المنتجات الغذائية المحلية في مواجهة المد الهائل للعولمة بكافة صورها.

    إن المتعة هي إحدى بنات أفكار الفلسفة البطيئة والمتأنية، لذلك نجد أن الحركات المتأنية ترى في المستهلك جزءاً من عملية الإنتاج، وبالتالي فإن التعرف على سلوك المستهلك وتفضيلاته سيمكننا من مواجهة ردود فعله تجاه الصحافة بكافة صورها، سواء حين يدعمها حال مواجهتها أي صعوبة، أو حتى رفضها إذا كانت خاطئة أو غير مستدامة.

إن المبادئ الأساسية لحركة الغذاء البطيء قد تعدتها لتصل إلى مجالات ثقافية واستهلاكية أخرى بما فيها الصحافة. لذلك، نجد أنفسنا في نهاية هذا الجزء أمام سؤال جوهري: ما الذي بإمكان فلسفة التأني والبطء أن تقدمه للصحافة؟

إن مصطلح "الجيد" المستوحى من التغذية البطيئة يماثل البحث الدقيق حول المعلومات في الصحافة، وبالتالي إفادة الحواس الثقافية. كما توازي كلمة "النظيف" في حركة Slow Food مبدأ أخلاقية الصحافة التي لا تسيء إلى مجتمعاتها.

"دعم استدامة كل من النظم البيئية وسبل العيش، ودعم العدالة الاجتماعية وتطوير الشعور بالمصير المشترك للمجتمع. كل ذلك من شأنه أن يسمح بازدهار الصحافة المتأنية، وجعل وسائل الإعلام في متناول المجتمع مع ضمان عدم طغيان الجانب الاستغلالي نحو مهمات الصحافة تحت أي ظرف من الظروف "، هكذا يرى هارولد جيس، أستاذ الصحافة والدراسات الإعلامية بجامعو رودس، جوهر وماهية الصحافة المتأنية.

في العام 2009، وفي مدونة Campfire Journalism ، يذكر الأكاديمي والصحفي مارك جيرارد، كيفية تتبع الإرشادات الحديثة للصحافة المتأنية في الخطاب العام، ثم تلخصيها في الآتي:-

  1. التخلي عن صنم التنافسية
  2. أولوية قيم الدقة والجودة والسياق المنطقي على حساب السرعة
  3. تجنب الإثارة في الأحداث التي تغطيها جحافل المراسلين
  4. استغراق الوقت الكافي لاكتشاف الأشياء
  5. الاعتماد على قوة السرد
  6. رؤية الجمهور كشركاء متعاونين

  وهنا يتوجب علينا التوقف عند تعقيب ميغان لو ماسييه على ما سبق، وكم هو مؤيد لكافة النقاط، فقد ذهبت لو ماسييه إلى ضرورة الميل والاعتماد على السرد القصصي أسلوباً أمثل في الكتابة الصحفية المتأنية وإلى تجنب الإثارة في المواضيع للحصول على منتج صحفي أخلاقي.  كما ترى الكاتبة في النهج البطيء محفزاً إضافياً من الناحية الواقعية في أن تكون المصادر قابلة للتوثيق من قبل الجمهور، الأمر الذي يضيف معيار الشفافية إلى النص نفسه. كذلك تتفق لو ماسييه مع مارك جيرارد في أن روح التكافؤ بين الصحفيين العاملين في هذا النمط الجديد من جهة، وما بينهم وبين القراء من جهة أخرى، سيجعل من الصحافة المتأنية طاولة مشتركة أكثر مجتمعية بدون سلبيات النزعة التنافسية لعصر السرعة.

 وفي المحصلة تذهب لو ماسييه - كما هو الحال مع جيرارد - إلى ضرورة إنتاج الصحافة المتأنية في مساحات مستقلة وبديلة، قد تكون صغيرة في البداية؛ لكن القيم التي تحملها ستكبر دون شك، كونها تضمن مزيداً من اللذة والمتعة في الإنتاج والاستهلاك.

وهو ما يقودنا مباشرة للحديث عن تموضع الحركة الصحفية المتأنية في ضرورة التصدي الإصلاحي للمشاكل الجوهرية التي أضرت بالمشهد الصحفي في عصر وسائل التواصل الإجتماعي.

كانت سوزان غرينبرغ، أستاذة الكتابة الإبداعية بجامعة روهامبتون، أول من استخدم مصطلح الصحافة المتأنية في مقالها لمجلة بروسبكت 2007، وكم جادلت غرينبرغ حول الأدب القصصي الطويل وقدرته على إنهاء هيمنة الأخبار السريعة على مجال الصحافة. وكيف أصبح بمقدورنا الحصول على الأخبار الأساسية بثمن بخس وأحياناً بالمجان على الهواء وعبر الإنترنت. والمحصلة، افتقاد الصحافة بمفهومها التقليدي لجمهورها الواسع من القراء.

من أجل ذلك، تعالت الأصوات التي تنادي بحتمية توافر سوق متنامي للمقالات والتقارير وغيرها من الكتابة الإبداعية التي تستغرق وقتاً لاكتشاف الأشياء وملاحظة القصص التي يتغافل عنها الآخرون، أو كما تقول غرينبرغ "سوق تنقل كل شيء في الصحافة إلى أعلى المعايير".

 تمتلك الصحافة المتأنية من الشفافية ما ليس متوفراً في ثقافة الأخبار السريعة، بسبب اختلاف الطريقة التي يتم بها نقل القصص في النموذجين المتضادين، فالصحافة المتأنية توضح ميكانيكية الحصول على المعلومة، وتربط القارئ بمصدر الوثائق والبحوث وغيرها من القصص ذات الصلة.

إن فلسفة التحرير في الصحافة المتأنية، أو ما يمكن تعريفه بالقيم الإخبارية التي تحدد نمط ومجال المحتوى ونهج الإصدار الصحفي المتأني، هو ذاك الشيء الذي نستطيع إدراكه والوصول إليه والتحقق منه عند إبطاء وقت تدفق الأخبار.

لا تطرح الصحافة المتأنية نفسها على أنها بديل حتمي لكل الأشكال والأنماط الصحفية السائدة، وهي كذلك لا ترى امتلاكها ناصية الحلول الجاهزة لسائر سلبيات الصحافة التي عصفت ببلاط صاحبة الجلالة في مشارق الأرض ومغاربها، كنتيجة طبيعية للسرعة المحمومة والمجنونة التي يسير بها عالمنا اليوم، ولكنها - وبكل بساطة - تقدم فلسفتها على أنها ترياق فعال يتمكن من إصلاح جوانب عديدة قد مسها الضر جراء القصف المستمر للأخبار العاجلة والفورية، دون أن تستبد بوحدانية النموذج المخلص لمهنة الصحافة العريقة، فاتحة المجال أمام كافة الأشكال الصحفية الأخرى كي تتمكن من انتهاج السبيل الإصلاحي الذي تراه مناسباً من أجل الارتقاء بالمشهد الصحفي في نهاية المطاف.     

 إذا كانت الصحافة فائقة السرعة هي التي تمثل المحرك الأساسي لجميع وسائل الإعلام في الوقت الراهن، وإذا ما أضحت الأخبار العاجة الآنية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع - وحدها - من تملأ محتوى المواقع والصحف والمجلات، فليس ثمة من تصور آخر عندي عن الجحيم!.

عاجل