رئيس التحرير
محمود المملوك

رحيل نوال السعداوي وأزمات العقل الجمعي

محمد فوزي
محمد فوزي

دائماً ما تعكس نوعية النقاشات "المجتمعية" التي تدور عقب أي حدث الوضع الذي وصل إليه العقل والوعي الجمعي، فضلاً  عن كون هذه النقاشات تحمل في طياتها إجابات على أسئلة: أين نقف؟ وإلى أين نتجه؟
ما إن أُذيع خبر وفاة الراحلة الطبيبة والمفكرة المصرية/ نوال السعداوي حتى سيطر على وسائل التواصل الاجتماعي حالة من الاستقطاب والصراع  والتناحر، وغلب على هذا الجدل والصراع سمتين رئيسيتين: 
1- من حيث المضمون اتسمت هذه النقاشات بالخلاف حول مسائل "محورية" و "جوهرية" – بالنسبة لهذه القطاعات المجتمعية – من قبيل: هل يجوز  الترحم على نوال السعداوي أم لا؟ مشروعية "الشماتة" في موتها (ذهبت اتجاهات وقطاعات عريضة من المتدينين والمحافظين من عموم الناس إلى وجوب ذلك استناداً لفتاوى من دعاة ومشايخ كإبن الداعية السلفي أبي إسحاق الحويني)؟ هل نوال السعداوي في النار أم يمكن أن يغفر  لها الله؟ 
2- اتسم هذا الجدل الدائر بما تصفه بعض الدوائر البحثية بـ"العنف اللغوي/ اللفظي" حيث تم إصباغ أوصاف على الراحلة تكفرها، وتتأله على الله بتحديد مصيرها، وهذه الألفاظ من قبيل ( الكافرة – الهالكة – المخلدة في النار... إلخ).
بعيداً عن الجدل المشتعل عقب وفاة "نوال السعداوي" وتصعيد مواقفها "الجريئة" في ملفات المرأة والدين، إلا أن أخطر ما في هذه النقاشات هو المستوى الحاد والفج الذي وصلت إليه النخب المجتمعية التي يغلب عليها المحافظة، فيما يتعلق بالآخر المختلف مع اتجاهاتها وأنماطها الفكرية، فقد تجاوزت هذه القطاعات المقولة التقليدية السائدة "أن للموت حرمته"، وراحت تنكل وتشنع وتشمت في موت هذه الشخصيات وتنهال عليها بالسب واللعنات، بل وتبحث عن مسوغات وأطر  دينية لـ"شرعنة" هذا السلوك الفج الذي يتعارض من جهة مع مقاصد الشريعة الإسلامية وتعاليمها التي لم تجز  إهانة "الميت أو الأسير"، ومن جهة أخرى مع حقيقة وفلسفة الموت إذ تعاملت هذه الاتجاهات مع الموت وكأنه عقاب اختص به الله "نوال السعداوي" دون غيرها، وبطبيعة الحال وجدت هذه الاتجاهات المجتمعية هذه المبررات والمسوغات في خطاب دعاة كعبدالله رشدي، وابن أبي إسحاق الحويني، ويبقى بعد تسليط الضوء على هذه الحالة التي وصل إليها المجتمع، النقاش حول سؤال: على من تقع المسؤولية فيما آلت إليه أوضاع المجتمع من انتشار  للتعصب والتطرف ولثقافة الكراهية؟
أي إشكالات أو أزمات مجتمعية تكون بطبيعتها "ظواهر مركبة" ومن هذا المنطلق تكون المسببات متعددة، وبالتالي ففي الحالة موضع الحديث يوجد عدد من المسببات الرئيسية التي أوصلت المجتمع لهذه الحالة، على رأسها: 
1-النظم السياسية المتعاقبة التي لم تكن "الثقافة والممارسة الديمقراطية" وعملية "بناء الإنسان" على سلم أولوياتها، وذلك لحساب ملفات أخرى كأولويات التنمية الاقتصادية، وملفات إدارة السياسة الخارجية، فضلاً  عن غياب منظومة الحكم الرشيد وما يرتبط بها من مفاهيم وممارسات كالتعددية والتداول السلمي للسلطة ودولة القانون، وعلى ما يبدو أن هذا السياق وهذه التراكمات قد أدت إلى تتطبع المجتمع بطبائع النظم التي كانت تحكمه كما كان يقول "عبدالرحمن الكواكبي"، فوجدنا هذه المفاهيم التي تفضي إلى قبول الآخر أياً كان حجم الاختلاف معه غائبة تماماً عن مجتمعاتنا، وحلت بدلاً منها مفاهيم التسلط والإقصاء والتخوين والتكفير. 
2- أزمات الخطاب الديني، فقد أدرك الجميع في السنوات الأخيرة خصوصاً أن هنالك إشكالات كبيرة غالبها "بنيوي" تعتري الخطاب الديني، وهو السياق الذي أنتج دعوات تجديد الخطاب الديني من المسؤولين عن هذا الخطاب نفسه، فضلاً عن القيادة السياسية، والنخب الاجتماعية والثقافية، وكما هو معلوم فالعامل الديني عامل شديد الأهمية فيما يتعلق ببناء وتكوين الشخصية المصرية، وبالتالي فمع هذه الإشكالات البنيوية التي غابت معها مفاهيم التسامح وقبول الآخر واحترامه في إطار مبادئ المواطنة ودولة القانون، كان من الطبيعي أن نجد مجتمعاً يعج بثقافة الكراهية ويرفض الآخر لأنه يجد خطاباً دينياً يغذي هذه الأفكار  لديه ويعطيها مسوغات شرعية خصوصاً مع المساحة التي حظي بها الدعاة السلفيين في المجال العام منذ عقود.
3- يرتبط المسبب الثالث للحالة التي وصل إليها المجتمع بظهور التيارات الأصولية، التي بدأت بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين، مروراً بكل التنظيمات الإسلامية التي ظهرت وصولاً إلى داعش، وهي التيارات التي ساهمت في نشر مجموعة من المفاهيم والأفكار- كحتمية الصدام، والجاهلية، والعصبة المؤمنة، والاستعلاء بالإيمان، والتمكين – وهي الأفكار  التي قامت على أساس رئيسي وهو إدعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وبالتالي فحولت حتى المسائل النسبية التي يوجد فيها مساحة للاختلاف إلى صراع بين الحق والباطل، وهو الأمر الذي ساهم في زيادة ثقافة الكراهية، وانتشار  التطرف الذي يؤدي إلى الإرهاب الفكري والجسدي، والإشكالية الرئيسية هنا التي وقعت فيها نظمنا السياسية المتعاقبة هي "المواجهة الانتقائية" للتطرف، أو الوقوع في المحظور  المتمثل في إتاحة المساحة  لبعض هذه التيارات للعمل ونشر أفكاره كما هو الوضع بالنسبة للحالة السلفية.
كما أشرنا فالظاهرة والحالة التي وصل إليها المجتمع مركبة، وعلى قدر ذلك تتعدد المسببات التي أوصلتنا لهذه النقطة، لكن لا شك أن هذه المسببات المرتبطة بالسياق السياسي، والديني، هي التي أوصلتنا للثنائيات التي نعاني منها حتى اللحظة والتي تعبر عن حجم الأزمة، فإما الوطنية أو الخيانة، وإما الكفر أو الإيمان، وإما الجنة وإما النار.