رئيس التحرير
محمود المملوك

بين بين (2)

العالم من حولنا مليء بالبديهيات والتي يشتربها الإنسان في سنى طفولته الأولى من أسرته الصغيرة ومن مجتمعه المحيط، ولكن في مصرنا الحبيبة يختلف الوضع كثيراً، فنادراً ما تكون بديهيات العالم الطبيعية هي طبيعية عندنا، بل على العكس تماماً، تكون تلك البديهيات مكتسبات ناتجة عن خبرة كبيرة وقراءات مختلفة ومجاهدة قاسية للنفس وما اعتادت عليه نتيجة لتشربها عادات غير طبيعية وغير آدمية من أسراتنا الصغيرة ومجتمعنا المحيط.


ومن البديهيات التي سأذكرها الفرق بين النقد والانتقاد تتشابه الأحرف وتتشابه أيضاً التصرفات المتعلقة بكلا من الكلمتين "النقد والانتقاد"، كلا الكلمتين تعني طرح السلبيات الموجودة بشخصية حقيقية أو اعتبارية للنقاش " والشخصيات الاعتبارية قد تكون أفراداً وقد تكون حكومات أو مؤسسات أو أفكار أو نظريات إلخ.."


1. المتلقي: متلقي النقد قد يكون/ تكون أي شخص، قد يكون شخصية قريبة منك كمنتقد كقريب او شريك او أحد أفراد أسرتك وقد يكون/ تكون شخصية عامة أو شخصية إعتبارية كما ذكرت كمؤسسة أو حكومة أو حتى فكرة..


قد يكون المتلقي/ ة مرهف الحس فتؤثر بك كلماته تأثيراً عظيماً بالسلب وإن كان قد لا يظهر أو يصرح لتفادي إكمال الحوار أو لتفادي رده العنيف نظراً لحساسية الموضوع بالنسبة له، قد يكون شخصية قوية متبلدة الحس، وقد يكون شخصية غير مهتمة بتلك النقطة موضع النقد فتظن إنه متبلد الحس، وقد تكون شخصية إعتبارية أو فكرة أو تقاليد وعادات لها مؤيدين وأتباع كُثر مما يضع تحت طائلة الأذى، وقد تكون مؤسسة أو حكومة باطشة فتقع تحت بطشها نتيجة لسوء عرضك لما تنتقده.


2. الأسلوب: حتى تكون ناقداً وليس منتقدأ، راغباً في التعديل والمساعدة والدعم وليس الاستفزاز والتحقير وإلقاء اللوم وفقط، يجب أن يكون أسلوبك ناعماً ومهذبا بلا ألفاظ خارجة أو جارحة، يجب أن تضع موضوع النقاش بشكل علمي وموضوعي وإظهار السلبيات والايجابيات لكل خطوة يخطوها من تنتقده، يجب أن تثني على مجهوده لمحاولته حتى وإن كانت محاولة ضعيفة أو محاولات فاشلة، يجب أن تقدم حلولاً وبدائل لا إظهاراً للسلبيات فقط، يجب أن تضيف أكثر من مرة أثناء الحوار أن كلامك وقولك هي نابعة من رغبة في الأفضل لمن تنتقده وحب له أو لما يطرحه أو للخير العام للمجتمع.


3. التوقيت: إن كان النقد للأفراد سواء شخصية أو عامة فيجب أن يكون أسلوبك بالنقد كما أسلفت، وأيضاً يجب الحرص على أختيار توقيت يكون فيه الشخص الذي تنتقده رائق البال هادئ النفس إن كان من القربين من أفراد الأسرة أو الأصدقاء حتى يستطيع تقبل نقدك ومناقشته معك بشكل موضوع بلا ضغوط نفسية، ويفضل أن يكون النقد بكل وقت تظهر به المشكلة موضوع النقد وليس في أوقات الأزمات فقط، لأنك إن نقدت في أوقات الأزمات "فقط" فهذا سيكون تأنيباً وتقريعاً بغير وقته.


إن كان نقدك لمؤسسات أو شخصيات إعتبارية أو أفكار أو حكومات، فالبتأكيد سيكون بكل وقت وخاصة في أوقات الأزمات، ولكن لا تنسى النقاط السابقة الخاصة بالمتلقي والإسلوب حفاظاً على أمانك الشخصي.


4. الموقع: عندما تنتقد شخصاً قريباً منك عاطفياً كأفراد الأسرة أو أصدقاء فأحرص أشد الحرص على أن يكون النقد بشكل شخصي وفي مكان خاص وليس بالعلن أمام الجميع، حتى وإن كان الجميع هم باقي أفراد الأسرة أو باقي الأصدقاء.


وإن كان النقد لمؤسسات أو حكومات أو أفكار فيفضل التمسك بنقطة الإسلوب سواء كنت داخل الدولة أو خارجها، فإن كنت خارج الدولة وكان اسلوبك عنيفاً وغير موضوعي سيتم إتهامك بالجبن والفرار من المواجهة لأنك بعيداً عن البطش، وإن كنت داخل الدولة فربما يقيك الأسلوب الجيد والموضوع من بطش العوام المؤيدين لما تنتقده.

5. التكرار: لا تكن لحوحاً إن رفض الشخص الذي تنتقده إنتقادك، تغيير التوقيت ومدخل الموضوع والأفكار قد يكون جيداً ومفيداً، ولكن إن إستمر الرفض من الشخص الذي تنتقده سواء كان من الأسرة أو صديق فتوقف فوراً وأعتذر بحب. 


إن كان نقدك لأفكار أو مؤسسات أو حكومات فلا تتوقف أبداً عن النقد إلا إذا تغيرت رؤيتك للموضوع ولم يكن هناك داع للنقد حينها، ولكن إذا لم تتغير وجهة نظرك، وظل ما تراه غير مجدي وغير مناسب وبلا فائدة للمجتمع أو لفئة فيه فلا تتوقف أبداً عن النقد، يمكنك أن تغير طرحك للقضية ولحلولها، أعرض السلبيات قريبة وبعيدة المدى، أعرضها كنكته وكفزوة، إعرضها كمسرح شارع، إعرضها كمقال أو قصة، أعرضها بشكل علمي أو أدبي، أنقد بكل ما أوتيت من قوة وحيلة ولا تتنازل أبداً عن البحث والتيقن قبل النقد وأثناء النقد.


النقد هو عرض السلبيات وأضرارها والإيجابيات وفوائدها و طرح الحلول الممكنة لتجنب السلبيات أو لتخطي ضررها، والانتقاد هو عرض السلبيات وأضرارها فقط والسخرية والتهكم الدائم دون عرض حلول ودون توضيح الإيجابيات إن وجدت.


كونوا نقاداً هدفهم البناء ونشر المنفعة، ولا تكونوا انتقاديين هدفهم الهدم وإلقاء اللوم والسخرية وإشعار الآخر بالخجل والنقص لأن رد الفعل على الخجل والنقيصة هو العنف وعدم الاتزان.