رئيس التحرير
محمود المملوك

مَولاي إنّي ببابك

الشيخ سيد النقشبندي
الشيخ سيد النقشبندي

• في أواخر الستينيات كانت شعبية الشيخ "سيد النقشبندي" المنشد والمبتهل المبهر في قمتها.. الصوت اللي قدر من خلال كلمات دينية بسيطة وعميقة في نفس الوقت يوصل لشرائح المجتمع المصري والعربي بيسر وسهولة كان قادر حرفياً يخطف القلوب.. الرئيس الراحل "محمد أنور السادات" كان من المعجبين بـ صوت "النقشبندي" جدًّا يمكن حتى من قبل توليه رئاسة الجمهورية.. في سنة 1972 ولما بقى "السادات" رئيس جمهورية وأثناء خطوبة واحدة من بناته كان عازم الشيخ "النقشبندي"، والملحن العظيم "بليغ حمدي"، والإذاعي القدير "وجدي الحكيم" على الخطوبة.. بالصدفة جت قعدة التلاتة جنب بعض على ترابيزة واحدة وكإن الموضوع كان مقصود بشكل أو بآخر.. كده كده العالم بتاع "النقشبندي" كان بعيد نوعاً ما عن العالم بتاع "بليغ"، والعنصر الوحيد المشترك بينهم كان "وجدي الحكيم" بإعتباره أهم شخص في الإذاعة المصرية اللي كانت بتذيع شغل الإتنين سواء إبتهالات "النقشبندي" أو ألحان وأغاني "بليغ".. أثناء الخطوبة والرئيس السادات بيمر على المعازيم جه قعد على الترابيزة بتاعت التلاتة.. بعد التهاني والرد عليها؛ "السادات" بص لـ "بليغ" وقال له: (أنا عايز أسمع صوت النقشبندي اللي بحبه بألحانك اللي بحبها يا بليغ).. بدون ما ينتظر رد من "بليغ" بص "السادات" لـ "وجدي" وقال له: (وإنت المسؤول قدامي عن الموضوع ده يا وجدي، عايز أسمع حاجة حلوة من الإتنين).. الرئيس قال الجملة وقام يكمل سلام على باقي المعازيم، وساب التلاتة في 3 حالات مختلفة.. الأولاني الشيخ "النقشبندي" واللي كان الطلب بمثابة صدمة له لإنه راجل منشد في المقام الأول ومش بيستعين بالموسيقى فلما يستعين يستعين بـ ألحان "بليغ حمدي" المعروفة إنها رومانسية ولونها مختلف 180 درجة عن اللي هو بيقدمه!.. الحالة التانية كانت لـ "بليغ" اللي بمجرد ما الرئيس طلب طلبه وهو دماغه اشتغلت هقدم إيه أنا ينفع لـ "النقشبندي" يغنيه!، وبعدين ماينفعش أقدم حاجة أى كلام ده إلتزام قدام الرئيس!.. الحالة التالتة كانت حالة "وجدي الحكيم" اللي اعتبر إن كلام "السادات" بمثابة أمر رئاسي ولازم يتنفذ يعني يتنفذ!.. مر يوم والتاني ومن اليوم التالت بدأ "وجدي" يتصل بـ "النقشبندي" عشان يستعجله.. ها  يا مولانا عايزين نبدأ.. الشيخ كان متردد ومتوتر بسبب إنه خايف من الخطوة ومش متقبل فكرة إنه يغني من ألحان "بليغ"!.. قال لـ "وجدي": (يا وجدي أنا مش مطرب لكن قاريء ومنشد من أتباع الصوفية، وفي الطرق الصوفية لا يجوز أن أغني على الإيقاعات الراقصة).. كان رد"وجدي" عليه إن مش هينفع أرجع للرئيس وأقول له "النقشبندي" مش عايز!.. وعشان يخفف من حدة الموقف على الشيخ قال له يا سيدي إحنا مش هنخسر حاجة على الأقل تعالا نشوف إيه اللي ممكن نعمله ولو الشغل ماعجبكش ممكن وقتها تعتذر بحجة إنه ماعجبكش لكن الإعتذار من بره بره كده هيبقى محرج ومش منطقي!.. على الناحية التانية كان "بليغ" مصمم يخوض التحدي ويطلع حاجة حلوة ومايضيعش وقت.. كلم واحد من أكبر شعراء الصوفية في مصر الشاعر "عبد الفتاح مصطفى" وطلب منه إنه يكتب له نص ديني مشحون بالرضا والتوكل على الله.. وكتب الشاعر فعلاً الكلمات وإداها لـ "بليغ" اللي بدأ في تلحينها وماخدتش معاه وقت!.. بعدها بيومين بالظبط راح "بليغ" الإذاعة عشان يسجل الأغنية، و"وجدي" طلب من "النقشبندي" إنه ييجي عشان يسمع.. كان لسه فيه شوية رهبة عند الشيخ "النقشبندي" من الخطوة نفسها وقال إنه خايف يحرج "بليغ" لو قال له اللحن والكلمات وحشين.. "وجدي" عشان يسهل عليه الأمور، وفي نفس الوقت مايحرجش "بليغ" اتفق مع "النقشبندي" على حركة يعملها لو الأغنية ماعجبتوش عشان "وجدي" يفهم بدون ما "بليغ" ياخد باله.. إيه الحركة؟.. أنا هسيبك يا شيخ إنت و"بليغ" في الأستديو جوه ربع ساعة تسمع منه.. هدخل بعد الربع ساعة لو لقيتك لابس العمة اللي على راسك يبقى الشغل ماعجبكش وهتحجج بأى حاجة بحيث أخليك تخرج من المكان بدون ما "بليغ" يزعل.. ولو لقيتك قالع العمة اللي على راسك يبقى ده معناه إن الأغنية عجبتك.. تمام يا مولانا؟.. "النقشبندي" رد: عظيم.. دخل فعلاً الشيخ على "بليغ" وبدأ يسمع اللحن والكلمات، و"وجدي" منتظر بره.. فاتت ربع ساعة كمان ربع ساعة بعد نص ساعة دخل "وجدي" عشان يفاجأ إن "النقشبندي" مش بس قلع العمة لكن قلع كمان القفطان بتاعه وقاعد براحته وهو في قمة السعادة وأول ما شاف "وجدي" قال له: (يا وجدي بليغ ده طلع جن).. وخرجت بعدها بساعات العظمة اللي اسمها "مولاي إني ببابك" للنور عشان تفضل عايشة لحد النهاردة أكتر من 47 سنة!.. إبتهال مبهج، جميل، وخرج بشكل راضي عنه "النقشبندي"، و"بليغ"، وراضي عنه كل الناس اللي سمعوه.. تخيل لو كان الشيخ "النقشبندي" فضل مستمر في قلقه من الخطوة أو لو كان صمم على رفضه إن ماكنش الإبتهال المبهر ده هيبقى موجود!.. كل حاجة في الدنيا ممكن تخليها تتوجه للناحية بتاعتك.. مين قال إن أى تجربة هتتعارض مع إيمانك أو تربيتك!.. الحياة عايزة اللي يجرب ومايخليش قلقه هو اللي يحركه.

 

• في سنة 2009 لما كنت في أمريكا كنت باخد كورس في معهد مهم متخصص في كتابة السيناريو والإخراج والتمثيل.. في نهاية الكورس المفروض يكون فيه إمتحان.. رغم إن الأستاذ الرئيسي كان لطيف وسنه قريب مننا ومفيهوش عُقد ولا كلاكيع اتعودنا نشوفها كتير كـ طلبة في معظم مراحل دراستنا من إبتدائي ولحد الجامعة؛ بس برضه نطت الأسئلة الوجودية اللطيفة بتاعت الطالب المصري الأصيل بقى.. هيجيب الإمتحان صعب؟.. هيصحح بذمة؟.. تقديراته عادلة؟.. كمية قلق مش طبيعية وتوتر مالهوش حدود وخوف من حاجة مجهولة بالنسبة لواحد لأول مرة في حياته هيمتحن إمتحان بـ لغة تانية في دولة تانية!.. اللي كان بيخفف حدة التوتر ولو نسبياً من وقت للتاني هي خفة دم الراجل نفسه وهزاره معانا وخروجه مع شباب الكورس مرتين تلاتة للسينما وعشان ناكل!.. ده خلق حالة من الود لكن برضه مع قرب ميعاد الإمتحان كان الخوف هو المسيطر!.. سيطرة الخوف خلتني فكرت إني أعتذر عن الإمتحان من أساسه!.. وطبعاً ده كان هيبقى معناه إن فلوس الكورس خلاص بح وعليه العوض.. بس لو قد خسارة الفلوس مش مهم؛ الأهم إن منظري مايبقاش زفت لما أسقط!.. طب وهتقول لهم إيه في البيت في مصر أو حتى لأصحابك اللي كنت بتتفشخر قدامهم إنك بتاخد كورس بره؟.. ساعتها الحجج كانت هتبقى متوفرة ومفيش أكتر منها.. شوية تفكير من هنا على شويتين من هناك؛ استبعدت فكرة الزوغان وحاولت أصبر نفسي بسؤال مباشر للأستاذ يمكن ألاقي عنده إجابة تشيل حاجز الرعب الغير منطقي ده!.. قبل الإمتحان بيوم لقيته واقف قدامي بالصدفة بعد ما خلص آخر مراجعة وماكنش فيه حد بينا؛ فأستجمعت شجاعتي وسألته عن الإمتحان.. رد عليا: إنت مؤمن؟.. السؤال كان غريب ومش طبيعي وهو مش شيخ يعني عشان يسأله وبعدين هو يقصد أنهي إيمان بالظبط ما هي دي برضه كل واحد بيشوفها بطريقته وخصوصًا لما يكون الدين مختلف!.. رديت الرد المهذب النموذجي وقلت له: آه.. فقال: (عظيم؛ لما الخوف!، الإيمان تفيض منه حصانة).. رمى الجملة وإلتفت لواحدة بنت جت وقفت جنبه بتكلمه وشوية بشوية دخل كذا حد تاني معانا في الحوار.. اللي بيسأله واللي بتهزر واللي واللي واللي.. الناس كترت حوالينا وهو اتلخم معاهم وأنا ماكنتش مركز مع حد فيهم وكإني إنفصلت بعد الجملة اللي قالها وفضلت بترن.. "الإيمان تفيض منه حصانة".. الجملة على قد بساطتها على قد ما فيها إجابة مهمة لأغلب الحاجات وبتريح.. اللي هو إنت مش عندك الحد الأدنى من الإيمان؟.. يبقى خايف من إيه!.. الخوف مش هيقدمك خطوة قدام!.. مع الوقت ورغم إن الموضوع فات عليه سنين كتير بس اكتشفت اللي كان يقصده.. "الإيمان" هو السر والسؤال والجواب .. لو لسه محافظ في قلبك على شوية إيمان يبقى إنت في أمان.. لا تقول لى قلق من إمتحان بقى ولا شغل ولا علاقات ولا خطوات ولا أى حاجة.. اللي بيعتمد على ربنا واللي بيكون متبت بإيده في الخيط اللي بينه وبين ربه مش بيخيب.. "الإيمان" بيديك حصانة.

 

• خوفك في المطلق بيخليك تفقد ثقتك في نفسك بسبب قلقك من حاجة ممكن أساساً تكون مش حقيقية!.. ده غير إن خوفك وارد يضيع من إيدك حاجة هتبقى أهم إنجازاتك بكره وبعده وساعتها مش هتسلم من تأنيب ضميرك!.. الوقت المبالغ فيه اللي بيضيع في الحسابات، الترتيبات، التوتر، والخوف من اللي جاي غالباً بينزل على فاشوش، واللي بتخاف منه بتكتشف إن حرفياً مفيش أحسن منه!.. الكاتب الفرنسي"موليير" قال: (يقضي الناس معظم أوقات حياتهم يأكلهم القلق على أمورٍ لن تحدث).

عاجل