رئيس التحرير
محمود المملوك

شارع أم عز

أسامة فوزي
أسامة فوزي

هل حدث أن سمعت يومًا عن اعتزام مدينة نيويورك إطلاق اسم «بن لادن» على أحد شوارعها الحيوية؟ طيب هل تخيلت أن مدينة الكويت يمكن أن يوجد بها ميدان اسمه "صدام حسين"، أو مدينة مكة المكرمة مثلًا قد اختارت لأحد أحيائها ومن بين كل أسماء الدنيا اسم حي "أبرهة"؟

هل رأيت مطعم «فرعون» في تل أبيب، أو حلواني «هولاكو» في بغداد، أو سوبيا «هتلر» في باريس، أو حتى كبابجي «أبو تريكة» في الكاميرون؟

أؤكد لك أن ذلك لن يحدث أبدًا، لأنه ليس من المنطق أن يتعمد إنسان عاقل تذكير نفسه باسم شخص أذاقه ويلات القهر والظلم والذل، حتى ولو كان هذا قد حدث منذ قرون بعيدة.

العقل البشري ـ حين يعمل بشكل طبيعي ـ يربط استدعاء الذكريات السيئة بشعور مؤلم يجبرك على الإحساس به في صورة غصة في الحلق أو ضيق في الصدر، حتى يضطرك إلى عدم استدعاء أي معلومة من المنطقة السوداء بالذاكرة إلا للضرورة، لأن استدعاء الذكرى السيئة بشكل متكرر يتسبب في التحول تدريجياً إلى حالة الغضب، وهي الحالة التي يفقد فيها العقل السيطرة على الأفعال، فيطلب منك العقل بشياكة تجميد أي وسيلة قد تجعله يمر دون قصد على المنطقة السوداء، فيدفعك بلا وعي لتغيير بعض المسميات حتى يستطيع مباشرة أعماله الاعتيادية دون المرور على المنطقة السوداء، فتجد نفسك تلقائياً تقول: أنا نازل رايح «الزفت»، لأن مدلول كلمة «الشغل» وما به من منغصات ربما يجعل عقلك يمر على المنطقة السوداء بلا ضرورة.

وهذا المنطق بالتحديد هو الذي أدى لتغيير أسماء كثيرة بهدف الابتعاد عن المنطقة السوداء في الذاكرة (الجمعية) مثل: كوبري قصر النيل الذي كان سابقًا (كوبري الخديوي إسماعيل)، وكذلك شارع 26 يوليو (شارع فؤاد)، جامعة الإسكندرية (جامعة فاروق)، ميدان طلعت حرب (سليمان باشا)، الاشتراكية (الشيوعية)، الشهداء (مبارك)، الزمالك (المختلط)، حرب 67 (النكسة).. وهكذا.

ومن العجائب أن هذا القانون (قانون الهروب من الأسماء المؤلمة) يسري بلا اتفاق على كل أبناء آدم فيما عدا المصريين، حيث تجد المصري يتلذذ بتذكير نفسه بمن أذاقوه الويل والهوان على مر التاريخ لدرجة تسمية الشوارع بأسمائهم، ففي القاهرة وحدها تجد شوارع مثل شارع «الذي كفر»، وشارع «سليم الأول»، وشارع «المعز لدين الله الفاطمي»، وشارع «قرة بن شريك» .. وغيرهم.

الذي كفر هو بالتأكيد شخص كافر، فما الداعي لتسمية أحد شوارع القاهرة على اسمه؟

«كاڨاريللي» هو أحد جنرالات جيش «نابليون بونابرت» قائد الحملة الفرنسية على مصر، وكان مهندساً ذا قدم واحدة، وأطلق عليه المصرين اسم «أبو خشبة»، هذا الكاڨاريللي قرر إزالة أسوار وأبواب شوارع وحارات القاهرة وقت ثورة القاهرة الأولى ضد الحملة الفرنسية، مما تسبب في حالة من الهلع والرعب الشديد أصابت أهل القاهرة، لأنهم عرفوا أن هذه الخطوة كان الغرض منها هو سهولة الوصول إلى عناصر المقاومة الشعبية ونفخهم نفخاً، وتم إطلاق اسمه على قنطرة على الخليج المصري في حي باب الخلق، تحولت بعد ردم الخليج إلى شارع جانبي متفرع من شارع «محمد علي»، وكان مكتوباً على اللافتة عند تسمية الشارع «شارع كفر اللي»، وبعد فترة قام أحد الجهابذة بتعديل الخطأ ليستقيم معنى الجملة، فأصبح «شارع اللي كفر»، بعدها قام أحد أباطرة اللغة العربية بتعديل الخطأ اللغوي الفادح فأصبح «شارع الذي كفر»، واستمر هذا الاسم بهذا الشكل على كل الخرائط والأوراق الرسمية حتى أربعينيات القرن العشرين، ويبقى السؤال: سواء هذا الشخص قد كفر أو أشرك أو ألحد أو صبأ، لماذا يطلق اسمه أصلاً على أحد شوارع القاهرة؟

«سليم الأول» تم إطلاق اسمه على أحد شوارع منطقة الزيتون بالقاهرة، مع حفنة من أسماء شخصيات أخرى من كتاب التاريخ مثل «الخليفة المأمون» «ابن سندر» «هارون الرشيد» «نصوح» «المقريزي» «طومانباي» «سنان».. وغيرهم، ولكن يبدو أن العبقري الذي وضع هذه الأسماء كان قد اختارها فقط من كتاب التاريخ دون قراءة ما يتعلق بكل شخصية، والأعجب أنه وضع اسم «طومانباي» في نفس الحي مع «سليم الأول» دون أن يدري أن نهاية حياة أحدهما كانت على يد الآخر، وقد تم مؤخراً تغيير اسم شارع «سليم الأول» إلى شارع «الشهيد أحمد المنسي» بعد أن ظل «سليم الأول» قابعاً في حي الزيتون لمدة تقترب من القرن.

قد يستنكر البعض إدراجي لاسم «كاڨاريللي» و«سليم الأول» مع «المعز لدين الله الفاطمي»، لأن «المعز» أكيد حد كويس يعني، ده حتى القاهرة نفسها اسمها «قاهرة المعز»، والدولة الفاطمية كانت دولة جميلة كلها فوانيس وحلويات وحاجات حلوة كده، وبالتالي إيه المانع يكون أهم شارع سياحي داخل القاهرة على اسم مؤسس القاهرة ومؤسس الشارع نفسه؟

اسمح لي عزيزي القارئ أنكد على حضرتك وأقول لك إنت غلطان، غلطان لأنك لا تقرأ كتب التاريخ المتاحة بكل سهولة في عصر الإنترنت، غلطان لأن حضرتك (استنتجت) أن الدولة الفاطمية كانت دولة (حلوة)، لأنها عملت فوانيس رمضان والمسحراتي وعروسة المولد والكنافة والقطايف، ورسمت في خيالك صورة مختلفة تماماً عن الحقيقة عن هذه الفترة التي شهدت خلالها مصر أسوأ أيام تاريخها وأشدها ظلاماً.

أو قد تظن عزيزي القارئ أن الدولة الفاطمية كانت تدير شؤون البلاد بتلك المظاهر، حيث الوالي هو المسحراتي، والعملة الرسمية هي القطايف، ورجال المحتسب يوزعون الحمصية على الشعب، والقاضي هو عروسة المولد، والنشيد الوطني هو وحوي يا وحوي؟ مفيش الكلام ده يا مواطن، كان فيه فوانيس وقطايف وكان فيه ذبح وسلخ وصلب وتشهير وكفر وسب للصحابة وحرق بيوت بسكانها وبلاوي كتير سأذكرها من مصادرها.

في المقالات التالية سأوضح من خلال المصادر التاريخية كيف قامت الدولة الفاطمية بخراب مصر والجلوس على تلها، وكيف وصل الحال بمصر من أغنى بلاد العالم إلى دولة كان الناس فيها يأكلون بعضهم بعضاً (الشدة المستنصرية)، وكيف قام «المعز لدين الله» بهدم العامود الأول في كيان الشخصية المصرية.

قبل ختام هذا المقال سأترك لك عزيزي القارئ معلومة بسيطة ربما تجعل مهمتي أكثر سهولة في المقالات التالية؛ فمدينة «القاهرة» قد تم بناؤها وإحاطتها بالأسوار أصلاً لتكون مقراً لسكن السلطان وحاشيته ورجال دولته وعساكره الذين جاؤوا معه من الغرب، بعيداً عن المصريين الرعاع الذين يسكنون في مدينة «الفسطاط»، ويقال أنها قاهرة الرعاع؛ لأن أبوابها وأسوارها العالية لا تسمح لهم بالدخول.

يتبع