رئيس التحرير
محمود المملوك

الطاووس والفيل والنعامة

عندما رأيت مشهد الاغتصاب الشهير الذي أثار ضجة بمسلسل الطاووس، تذكرت على الفور أفلام الأبيض والأسود القديمة عندما تعبر عن مشهد علاقة أو اغتصاب، فنرى النظرات الراغبة أو الشريرة أولاً، يليها تخبط نافذة أو هطول أمطار أو وقوع كوب زجاج وكسره، حينها تعجبت أشد العجب من الضجة المثارة على هذا المشهد الذي لا يظهر فيه سوى النظرات الخبيثة (والتي حتى لم تصل قوتها لقوة نظرات الأيقونة حمدي الوزير)، ثم مشهد كتف عارٍ لفتاة متألمة باكية بجانبها منديل ملطخ بدماء بكارتها.. فقط. 
وبالبحث عن سبب الضجة وجدت أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قرر التحقيق مع المسؤولين عن إنتاج المسلسل ومسؤولي القنوات التي تقوم بعرضه، بعد أن تلقى شكاوى عديدة حول استخدام "لغة" لا تتفق مع "الأكواد التي أصدرها المجلس"، وتؤكد ضرورة إعلاء "القيم" وعدم المساس بالأسرة المصرية أو "الحط من شأنها" أو "إظهارها في صورة تسيء إليها" ثم كلمات كثيرة على شاكلة احترام المشاهدين، ومنع الصور التي تسيء للفن المصري، الحفاظ على الهوية، تماسك الأسرة، الحض على العنف اللفظي والجسدي، محتوى إيجابي يحترم القيم المتعارف عليها.. كلمات مفخمة مضخمة لا تمت بصلة لهذا العمل الفني والذي من الأجدر إطلاق مسمى "عمل توعوي" عليه، بجانب كونه عملًا فنيًّا راقيًا على كل المستويات، وهذا يذكرني بعمل فني مصري توعوي آخر وهو مسلسل "قضية رأي عام" وهو من إنتاج عام 2007، الذي لم يثر ضجة أخلاقية مضادة كما حدث مع الطاووس، ولكن على العكس تمامًا تم الإشادة به وبدوره في رفع الوعي التربوي والأمني والقانوني عند مشاهديه، ومع احترامي لكل من شارك بهذا العمل "قضية رأي عام" إلا إنني وجدته over نوعًا ما في الأداء وهو ما لا أراه في الطاووس الذي يتحرك كل من فيه بإنسيابية وواقعية حقيقية.

وهنا أجد سؤالاً لابد من طرحه:

هل يعاني مجتمعنا من الردة الأخلاقية والفنية؟

والإجابة هي: بالتأكيد؛ باستعارة جملة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أجد أن ما يحدث لعدة سنوات بالسينما المصرية هو حط من شأن تاريخ الفن المصري، وحض على العنف اللفظي والجسدي وهدر للقيم الإنسانية والجمالية، وأن عمل على شاكلة الطاووس هو محاولة لرفع رأس السينما والدراما المصرية، محاولة لرفع الوعي، محاولة لمواجهة الذات وإيقاظ الضمير بدلاً من دفن رؤوسنا بالرمال والتشدق ليلاً ونهارًا بالقيم الأسرية المطاطة "والتي لا يعرف أحد سماتها على وجه التحديد".

وهنا أصل للفيل الهندي العملاق عندما شاهدت فيلم (Ponmagal.Vandhal.2020) وغيره من الأفلام الحديثة بالسينما الهندية، والتي تضع في نهاية العمل الفني إحصائيات لعدد الجرائم المشابهة لقصة العمل الفني، قصة هذا الفيلم كانت عن اغتصاب الفتيات الصغيرات وتواطؤ بعض أفراد الشرطة الهندية لدحض الحقيقة ونصرة الجاني بل وقتل المجني عليهن والشهود أيضاً، والإحصائيات بذات العمل أشارت إلى أن هناك الآلاف من قضايا اغتصاب الصغيرات غير المحلولة وأن 94% من الجناة هم من أقارب أو معارف الضحايا، بجانب وضع إحصائية تشير إلى أن الهند تحتل الترتيب السابع في إغتصاب الصغيرات وبعض مقاطعاتها تحتل التريب الثالث.

بلاد الأفيال.. بلاد عبادة الأبقار.. لم تدفن رأسها بالرمال كالنعام، ولم يظهر أعضاء الفريق الفني لأعمالهم مصرحين بأن العمل لا يمت للواقع بصلة كما صرح بعض أعضاء الفريق الفني ومخرج مسلسل الطاووس بأن قصة العمل الفني لا تمت بصلة ولا علاقة لها بقضية الفيرمونت الشهيرة وغيرها من القضايا المثارة أو المسكوت عنها منذ سنوات ولسنوات..

لم يصرخ شعب الهند ومؤسساته الفنية قائلين بأن تلك الأعمال الفنية تسئ لسمعة الهند ويجب الحفاظ على قيم الأسرة والأكواد الأخلاقية "الهندية" التي يعاني شعبها لعقود من الإنحطاط والقهر الأخلاقي والإنساني.

شتان ما بين الطاووس المصري ومحاولتنا دفن رأسه بالرمال كالنعام وبين الفيل الهندي الراغب في تغيير واقعه عن طريق مراجعة ومواجهة الذات وممارسة الشفافية في أبهى صورها.