رئيس التحرير
محمود المملوك

الحرب الجرثومية فكر ليس بجديد

ربما انتهى زمن الحروب العادلة يوم قرر فردريك بربروسا تسميم آبار المياه في مدينة تورتونا الإيطالية ليستولي عليها، أول قبل ذلك بكثير، ففكرة حرب الفارس لفارس وجيش لجيش لم تعد موجودة منذ ذلك الحين، وأصبحت الغايات تبرر وسائل الحرب القذرة.

لقد ألقى المغول جثث المصابين بالطاعون فوق أسوار مدينة كافا، في شبه جزيرة القرم سنة 1346م، وتبعهم الصليبيون في ذلك ضد المدن المصرية والشامية المحاصرة، وخلط الإسبان النبيذ بدماء المصابين بالجذام وباعوه عبر وسطاء لأعدائهم الفرنسيين في نابولي بإيطاليا، وفي بداية الاستيطان في أمريكا وزع الأنجلو سكسون بطانيات تحمل الجدري على السكان الأصليين كهدايا، أما نابليون فقد غمر السهول حول المدن الإيطالية ليعزز انتشار الملاريا، هكذا تفتقت مخيلة الإنسان عن تلك الأفكار الموغلة في الدموية والوحشية، لكن العجيب حقًا أنه حتى مع تقدم الدول والقوانين ومسيرة حقوق الإنسان لم تنتهِ هذه المأساة، بل زاد اتجاه الإنسان نحو ابتكار وسائل أكثر فتكًا ووحشية.

وازداد الأمر سوءا بعد تأسيس علم الأحياء الدقيقة من قبل لويس باستور، حيث تم استخدام النتائج العلمية في ابتكار أسلحة بيولوجية وجرثومية خطيرة وتصنيعها على نطاق واسع، وقد قامت اليابان لدى احتلالها الصين باستخدام الأسلحة البيولوجية على نطاق واسع، وقامت بإجراء تجارب على الآلاف من أسرَى الحرب لديها بحَقنهم بجراثيم التيفويد أو إعطائهم مواد غذائية أو مياهًا ملوثة بميكروب الكوليرا، كذلك تواردت معلومات عن قيامها بنشر ميكروب الكوليرا في آبار المياه في مناطق الصراع الصينية.
وفى عام 1979 وقعت أكبر حادثة استنشاق لجراثيم الجَمرة الخبيثة، عندما أطلقت خطأ في المركز البيولوجي العسكري في سفيردلوفيسك في روسيا، ما أدى إلى إصابة 79، وموت 68 شخصًا.
وخلال الحرب الكورية وجّهت الصين وكوريا الشمالية للولايات المتحدة اتهامات باستخدام أسلحة جرثومية ضدهما، وعام 1952 دعيت اللجنة العلمية الدولية للأمم المتحدة للتحقيق في الشكاوَى المقدمة من الصين وكوريا، فخرجت بتقرير تضمّن احتمال حدوث تعرُّض للأفراد في مناطق النزاع بمواد جرثومية.
وخلال حرب فيتنام استخدم الجيش الأمريكي الأسلحة الجرثومية ضد القرى والبلدات الفيتنامية، كما تم استخدام ذات الأسلحة في محاولة من الأمريكيين لتدمير محصول القصب في كوبا في الستينيات والسبعينيات، وهو مصدر الدخل الرئيسي للبلاد.
وبحسب دراسة نشرتها المكتبة الوطنية الأمريكية للمعهد الوطني الطبي للصحة قبل عدة سنوات؛ فإنه خلال القرن الماضي، قضى أكثر من 500 مليون شخص بسبب الأمراض المُعدية، وعشرات الآلاف من هذه الوفيات نتج عن الإطلاق المتعمد لمسببات الأمراض أو السموم.
وفي المجمل فإنه خلال القرن الماضي، مات أكثر من 500 مليون شخص بسبب الأمراض المعدية. عشرات الآلاف من هذه الوفيات كانت بسبب الإطلاق المتعمد لمسببات الأمراض أو السموم، معظمها من قبل اليابانيين خلال هجماتهم على الصين خلال الحرب العالمية الثانية. 
وعلى الرغم من أن معاهدتين دوليتين قد حظرتا الأسلحة البيولوجية في عامي 1925 و1972، لكنهما فشلتا إلى حد كبير في منع البلدان من إجراء أبحاث حول الأسلحة الهجومية وإنتاج أسلحة بيولوجية على نطاق واسع. وبما أن معرفتنا بيولوجيا العوامل المسببة للأمراض - الفيروسات والبكتيريا والسموم - تزداد، فمن المشروع أن نخشى أن تشكل مسببات الأمراض المعدلة عوامل مدمرة للحرب البيولوجية.
إن النقاش الحالي حول الأسلحة البيولوجية مهم بالتأكيد في زيادة الوعي وزيادة استعدادنا لمواجهة هجوم محتمل. ومع ذلك، ومحاولة تغيير الواقع الكئيب لملايين الأشخاص الذين ما زالوا يموتون كل عام بسبب إصابات يمكن الوقاية منها، قد نسأل أنفسنا كم عدد الموارد التي يمكننا تخصيصها استعدادًا لكارثة افتراضية من صنع الإنسان!