رئيس التحرير
محمود المملوك

"خيرًا تعمل خيرًا تلقى"

• من يومين وتحديدًا يوم 21 إبريل مر قدامي أكتر من بوست بيتكلم عن وفاة راجل اسمه الدكتور "نصر الله معوض".. كان الاسم غريب عليا وبسبب حظي السيئ ما سمعتش عنه قبل كده فتعاملت مع خبر وفاته اللي ظهر قدامي مرتين أو تلاتة على التايم لاين تعامل عادي بالدعاء له كواحد معرفوش اتوفى.. بس لما اتكررت البوستات اللي بتشكر في قيمة وجدعنة الراجل ده واللي كتير منها كان بينقل زعل اللي كاتبينها على وفاته فضولي خلاّني أدخل أبحث عن الاسم عشان أعرف مين ده!.. نتيجة البحث إني لقيت في أول النتايج اللي ظهرت بوست للكاتب الصحفي المميز "عبد الصبور بدر" بيحكي أكتر عن د."نصر الله".. خد عندك.. في أوائل التسعينات تم تعيين د."نصر الله" عميد لكلية التربية جامعة قنا.. الراجل البسيط المحبوب والحازم في نفس الوقت كان له سمعة جيدة سابقاه.. من أول يوم له في مكتبه قلع بدلته ولبس ترينج وكوتشي وبقوا هما دول الزي الرسمي الطبيعي بتاعه أثناء ممارسة مهام عمله الجديد.. كان طبيعي كل يوم الصبح تشوف د."نصر الله" بيلعب ماتش كورة مع الطلبة في الملعب أو جنبهم في الكافتيريا بيأكل ويشرب معاهم بمنتهى التباسط ويقول نكت ويهزر بدون ما ده يكون له تأثير عكسي على نظرتهم له بالاحترام والتقدير!.. بالليل برضه كان طبيعي تشوفه وهو بيشرف على الفرقة المسرحية باعتباره المخرج ويوجه تعليماته للممثلين وضحكته صافية وبيضاء وبتأكد إن الراجل عمر ما فيه سيجارة دخلت بُوقه.. مكتب د."نصر الله" كـ عميد للكلية كان في الدور الأول.. أى طالب كان يقدر يدخل في أى وقت عليه بدون إستئذان ولا ميعاد سابق.. مجرد تلف الأوكرة بتاعت الباب وتلاقي نفسك وش بـ وش قدام العميد!.. أ."عبد الصبور" بيحكى إنه في مرة دخل على مدير مكتب العميد وسأله: العميد موجود؟.. مدير المكتب قال له: أيوا.. فدخل أ."عبد الصبور".. في نفس اللحظة دي كان واقف واحد من الدكاترة اللي في الكلية فسأل مدير مكتب العميد: (أنا بقالي ساعة.. وده لسا جاي.. إزاي يدخل قبلي؟).. رد مدير المكتب وقال: (ده طالب يدخل في أي وقت!).. الدكتور سأل: (يعني ايه طالب؟).. مدير المكتب رد: (أوامر العميد يا دكتور).. دي السياسة والفلسفة اللي كان بيدير بيها د."نصر الله" كلية تربية واللي قائمة في الأساس على محبة الطلبة وإزالة أى حواجز بينه وبينهم كعميد وطلبة.. لو فيه طالب ظروفه صعبة شوية ومش هيقدر يجيب المذكرات أو الكتب كان د."نصر الله" بيتصرف وبدون ما يحرج حد!.. كان بيزرع طلبة من أعضاء اتحاد الطلاب وسط باقي الطلبة عشان يقولوله على أسماء الطلبة اللي ظروفهم صعبة شوية، ولما يجمع أسماءهم يكتبها في ورقة صغيرة ويبعت لكل دور مادة نسخة من الورقة ومعاها أمر إداري من من 4 كلمات: (رجاء إعطاء هؤلاء الطلبة المذكرة كذا).. ولو فيه أستاذ أو دكتور رفض؟.. كان لازم وقتها بقى يستحمل ثورة غضب د."نصر الله" عليه.. ولما كان بيبقى فيه طلبة محتاجين فلوس وإعانات سريعة كان بنفس الطريقة اللي فاتت يبعت ورقة لرعاية الشباب يكتب فيها: (رجاء إعطاء الطالب الفلاني مبلغ كذا)، وفوراً بيتم الصرف للطالب.. اتوفى د."نصر الله" أول إمبارح في واحد من أفضل أيام السنة بس فضلت سيرته الحلوة على كل لسان من الطلبة بتوعه اللي بيدعوله بسبب الخير اللي عمله، ولسه فيه كتير هيدعوله لما يقروا قصته.. مش بيفضل بعدنا غير عملنا وسيرتنا.


• من 6 سنين تقريباً الآنسة الأمريكية "كوني بومبو" واللي عندها 25 سنة كانت مخطوبة لـ الشاب "إدواردو".. الحدوتة المكررة بتاعت إتنين بيحبوا بعض ومروا بـ ظروف صعبة كتير لحد ما حصلت خطوة الخطوبة.. الحدوتة اللي بتبقى وأنت بتقرأ تفاصيلها نفسك إنها تنتهي النهاية الجميلة المنعشة؛ بس ولإن مفيش حاجة حلوة بتكمل للآخر وبسبب برضه إن ولاد الحرام ما خلوش لولاد الحلال حاجة زى ما بيحصل عندنا هنا بالظبط في قصص حوالينا؛ ظهرت مشاكل بينهم.. خلافات خلافات خلافات بدأت صغيرة وتافهة وكبرت شوية بـ شوية وتضخمت بالتدريج زى كورة التلج اللي واقعة من فوق الجبل فكان طبيعي تبقى النهاية الانفصال.. إنفصال بـ مشكلة كبيرة كان حتى من نتيجته إن "إدواردو" مسح رقم "كوني" من موبايله وهى كمان قطعت كل الصور اللي كانت بينهم وجمعت كل الهدايا بتاعته وطلعت في جنينة بيتها حطتهم فوق بعض وحرقتهم لدرجة إن المطافي جت يومها وسيطروا على النار بصعوبة.. انفصال بدون رجوع بقناعة تامة من الطرفين اللي كل واحد فيهم بدأ يعيش حياته عادي جدًا.. مرت الأيام وفات سنة.. لما الآم المغص الكلوى هاجمت  "إدواردو" وهو قاعد لوحده في البيت وماكنش فيه حد معاه وقع على الأرض وهو بيتلوى وكان بيزحف بيحاول يوصل لباب البيت عشان يخرج للشارع وأى حد يلمحه ويلحقه.. من كتر الألم مقدرش يواصل ووصل بالعافية وهو زاحف لـ الترابيزة اللي عليها التليفون الأرضي والموبايل بتاعه.. أول حد جه في باله إنه يتصل بيه كانت "كوني"؛ بس المشكلة إنه كان حذف رقم موبايلها وماكنش حافظه!..  "إدواردو" مش من النوع اللي بيحفظ الأرقام بطبعه.. مسك سماعة التليفون الأرضي وطلب رقم بيت "كوني" اللي كان قريب من تاريخ ميلاد أبوه فبالتالي كان تذكره مش أمر صعب.. بدون ما يحسبها ولا يفكر اتصل.. "كوني" ردت وهو ماقالش "آلو" ولا أنا فلان ولا بتاع.. قال جملة واحدة بس.. (تعالي إصطحبيني إلى المستشفي).. قال الجملة ووقعت السماعة من إيده.. "كوني" اللي كانت قاعدة لوحدها في البيت لحظتها طبعًا عرفته من صوته وخدت قرارها بسرعة وبدون تفكير وقررت تروح له!.. وهى خارجة من البيت لقت صاحبتها "روز" كانت جاية تزورها فقالت كويس أهى تيجي معاها بدل ما تروح لوحدها.. وهما في العربية "روز" كانت هتتجنن بتحاول تفهم منها هما رايحين فين و "كوني" عشان عارفة إن صاحبتها هتشدها من شعرها لو عرفت مش راضية تقول.. بدأت الصورة تتضح تدريجيًا لما دخلوا الشارع اللي فيه بيت "إدورادو"، و "كوني" حكت لها على السريع قصة المكالمة.. طبعًا "روز" شبطت في صاحبتها وإنتي إزاى هتروحيله بعد كل اللي عمله وممكن يكون عامل فيكي مقلب أو كمين وما تسيبيه يموت ولا يتنيل.. "كوني" حسمت أمرها بإشارة من إيدها لـ صاحبتها إنها داخلة يعني داخلة.. حاولوا يخبطوا على الباب مفيش رد.. نطوا هما الإتنين من الشباك ودخلوا لقوا "أدورادو" واقع على الأرض.. شالوه ونقلوه لـ أقرب مستشفى بمنتهى الحرص ومامشيوش إلا لما أطمنوا من الدكاترة إن الحالة مستقرة.. وهما راجعين "روز" بصت لـ "كوني" بتعجب ممزوج بإعجاب وقالتلها إنها مستغربة تصرفها ده وسألتها إن كان معنى كده إن الحب رجع صحى جواها تاني.. "كوني" ردت عليها ببساطة وهى بتهز كتفها: (لقد انتهت قصتنا كـ حبيبين للأبد).. "روز" سألتها عن السبب اللي خلاّها تعمل كده لو فعلاً الموضوع خلص!..  ردت: (عاملته كما تربيت؛ لا بما رأيت)..  مرت 6 شهور على الواقعة دى بدون أى محاولة من "كوني" إنها تطمن على "إدورادو" أو منه هو إنه يشكرها.. تمر الحياة عادى جدًا وكل واحد في سكته.. فجأة وبدون مقدمات تكتشف "كوني" إصابتها بـ سرطان الثدى!.. النتيج؟.. بنت لسه عمرها ما عداش 27 سنة بـ نص ثدى وأكتر من ضعف وزنها إحباط ويأس!.. وهى راجعة من أول جلسة كيماوي لقت على عتبة باب بيتها سلة هدايا!.. بوكس حلو أبعاده وحجمه مش كبيرة بس واضح إن محتوياته كانت كتير من وزنه وأساسًا كان باين إن اللى جابه قافله بالعافية.. بصت حواليها يمين وشمال يمكن تلاقي حد بيراقبها لحظة إستلامها للبوكس ده؛ مالقتش!.. دخلت وسألت أمها لقتها مش عارفة حاجة فعلاً.. دخلت أوضتها وحطت البوكس على السرير وبدأت تتأمل تفاصيله.. سلة هدايا مبهجة.. ملفوفة بـ شريط حرير.. فتحتها.. جواها مج أبيض مربوط حواليه شريط ساتان رفيع على شكل فيونكة لونها بينك، 12 شمعة رفيعة طويلة بريحة نبات البابونج الواحدة منهم ممكن تقعد يومين كاملين، بلورات ملح -(للي مايعرفهاش هى حاجة كده أكبر من الزلط في الحجم بس مكونة من ملح البحر ووجودها في أى أوضة وبسبب اليود بيريح الأعصاب في محيط المكان وموجودة في مصر بالمناسبة في أى هايبر ماركت أو محل هدايا)، علبتين شاى فتلة بالفانيليا فيهم 24 باكو، شامبو بريحة الخوخ، برفيوم  "delices de cartier"، كل مكان في البوكس كان فيه حتت شيكولاتة مختلفة الأحجام متنطورة جواه اللي ملزوق في جنب البوكس واللي محطوط عادي ولما عدتهم لقتهم 24 حتة، فلاشة عليها 24 حتة مزيكا مختلفين، ومجموعة كروت مكتوب في كل كارت منهم رقم مترتبين من 1 لـ 24 ومعاهم ورقة مكتوب عليها إفتحى كارت كل يوم.. في قاع البوكس فيه مخدة فايبر صغيرة مخصصة إنها تتحط على طرف البانيو عشان اللي هياخد دش يريح دماغه عليها وهو جوه البانيو.. حاولت تقلب يمين وشمال في كل حتة في البوكس إنها تعرف مين اللي باعت أو أى إشارة عنه؛ مفيش!.. ممممم تمام التمام بما إننا معندناش أى دليل مين صاحب البوكس يبقى نستمتع بمحتوياته.. بقت عادة يومية عندها تولع الشمعة الطويلة اللي بريحة البابونج وتحط بلورات الملح في أرجاء الحمام وأوضة نومها، وتريح دماغها على المخدة الفايبر في البانيو وهى بتشرب باكو الشاى بالفانيليا في المج الأبيض وبتسمع مقطوعة مزيكا من الفلاشة وقبل ما تنام وعينها تروح في النوم تاخد حتة شيكولاتة وتبخ بختين من البرفيوم وتفتح الكارت بتاع اليوم اللي هى فيه وتقرا الجملة المكتوبة.. (لن أتركك)..  (لن أخذلك).. (أنتِ قوية).. (حافظي على إبتسامتك).. (نستمد القوة ممن هم مثلك).. (أنتِ وفية)، وهكذا.. تدريجيًا بقت العادة اليومية دي بتسحب "كوني" من التوتر وتنسيها إنها مصابة بالسرطان أصلاً..  لما خلصت مكونات البوكس بعد 24 يوم وكانت شايلة هم اليوم ده كل ما بيقرب خصوصاً إنها كانت خلاص اتعودت على الروتين اليومي اللطيف ده؛ فوجئت "كوني" بـ بوكس جديد قدام باب البيت برضه!..  الله بقى!.. الموضوع ممتع مفيش كلام والجزء الأكبر من متعته في الصدمة الحلوة لإكتشافها الصندوق بس مين برضه! .. "إدواردو"؟.. بس ده إتجوز وبقى عنده حياته خلاص.. "روز"؟.. أكيد لأ عشان روز شخصية عملية ومش بتاعت رومانسيات وحركات.. أمها؟.. لأ برضه ما هى سألتها ولما جاوبت حست إنها صادقة فعلًا وأمها مش بتاعت تحوير يعني.. الموضوع قلب بـ تحدي لذيذ إنها عايزة تعرف مين.. بعد ما محتويات الصندوق التاني خلصت وقبل ما يتبعت الصندوق الجديد للمرة التالتة مخرجتش من البيت واستخبت ورا الشباك عشان تشوف مين هييجي يحط البوكس.. ملقتش حد.. جت تخرج بالليل وتاخد العربية اللي راكنة ورا البيت لقت البوكس موجود فوق شنطة العربية!.. يادي النيلة!.. في المرة الرابعة ركنت العربية قدام باب البيت وفضلت مراقبة المدخل والعربية من ورا الشباك لما نشوف هييجي منين المرة دي.. بخ مفيش.. راحت للعيادة اللي بتاخد فيها جلسات العلاج لقت الممرضة اللي هناك بتقول لها إن فيه بوكس جه بإسمها النهاردة عن طريق البريد على عنوان العيادة!.. مممممم يا ابن اللذينا!.. في المرة الخامسة لقت البوكس جوه صندوق الزبالة اللي ورا البيت!.. لا لا لا خلاص الموضوع ملوش حل.. ده حد فاضي وبيلعب ودماغه شغالة ومش هقدر أعرفه.. قررت تستمتع بالهدية لما بتيجي وتفصل عن أى أسئلة تانية وحطت في بالها حاجة واحدة بس إنها إنسانة اتعاملت بأخلاقها وبتربيتها وبالأصول وبشياكة مع كل اللي مروا في حياتها فبالتأكيد هى تستاهل المتعة اللي بتحس بيها مع الهدية الدورية دى وكإنها مكافأة من ربنا.. الأيام بتعدي وبتتعافي "كوني" تدريجياً من المرض وبيفضل موضوع البوكس ده واخد حتة مش قليلة من تفكيرها.. بتقرر تعمل شركة وتسميها "Baskets full of hope" متخصصة إنها تلم تبرعات أون لاين وتجيب بيها محتويات بوكسات كتير وتبعتها بالبريد لـ مرضى سرطان هى متعرفهمش ومعاها جملة بخط حلو: (الخير لا يضيع والأخلاق تبقى؛ ربما ستساعدك هذه السلة على بدء رحلة إيمان وأمل وشفاء).

• بعد صدمتك في فلان وإنه ما كنش يستحق الخير اللي عملته معاه مش الصح إنك تقفل سكة خيرك قدام الباقيين بعد كده!.. عُمر الغلط ما بيبقى في فعل الخير نفسه لكن في راح لـ مين.. بالتالي مش الحل إنك تقفل الباب نهائي لكن تفتحه للي يستحق.. مش الحل إنك تبطل تعمل خير لكن تعمله مع الشخص الصح.. في الآخر إحنا بنعامل ربنا مش الناس، ومع ربنا مفيش خير بيضيع في الأرض أو ما بيبقاش له رد رباني أو رصيد ليك ينفعك أنت بعد كده.. سيدنا "علي بن أبي طالب" قال: (الفرصة تمر مر السحاب، فانتهزوا فرص الخير). 
 

عاجل