رئيس التحرير
محمود المملوك

لعبة الفقراء التي أجبرت الباشوات على الاعتراف بها

عاطف محمد عبد المجيد
عاطف محمد عبد المجيد

لا تملك مصر حكاية عادية مع كرة القدم، لكنها حكاية شديدة الخصوصية واستثنائية جدًّا، بشهادة كثيرين جدًّا في هذا العالم، هؤلاء الذين كتبوا تاريخ اللعبة الجميلة وتوقفوا كثيرًا وطويلاً أمام مشوارها ودلالاتها ومعانيها في كل بلد ومجتمع، بالتأمل والدراسة والبحث والتحليل.

هذا ما يستهل به ياسر أيوب كتابه "مصر وكرة القدم.. التاريخ الحقيقي: أين وكيف بدأت الحكاية " الصادر منذ فترة عن الدار المصرية اللبنانية.

في كتابه هذا، الذي لا يراه إلا مجرد محاولة للاعتذار إلى كرة القدم في مصر، عن سنين طويلة من التجاهل وعدم الاهتمام، والحرص على كتابة تاريخ هذه اللعبة، يقول أيوب إن كرة القدم لم تبدأ في مصر ولم تكن في أي وقت مجرد لعبة، وإنما كان لها في مصر دائمًا أكثر من شكل ومعنى ووظيفة ودور، وكثيرًا ما كانت هذه الكرة هي القنبلة التي ينزع المصريون فتيلها ويبقون بها في وجه من استعمروهم واحتلوا بلادهم أو ظلموهم وسرقوا حقوقهم. وذاهبًا إلى ما هو أبعد من هذا يرى أيوب أن كرة القدم كانت هي السلاح الوحيد في يد من لا يملكون القوة والمال وفرصة امتلاك أي سلاح آخر، والعدل في أوقات كثيرة لمن أوجعتهم قسوة المظالم وجروح الحرمان، بل كانت أيضًا عزاءً لمن عانوا طويلاً من التهميش والتغييب والتغريب، والفرحة طوال الوقت لمن يحتاجونها ويستحقونها ويفتشون عنها في كل وأي مكان. هنا أيضًا يذكر الكاتب أن كرة القدم في مصر كانت هي لعبة الإنجليز التي فاز فيها أبناء البلد على كل الغرباء والأجانب، إنها لعبة الفقراء التي أجبرت الباشوات على الاعتراف بها.

استثناء وخصوصية

ورغم الدور الكبير الذي لعبته كرة القدم في تاريخ مصر إلا أن كثيرين لم يهتموا بكتابة تاريخ هذه اللعبة وحكايتها في مصر أو مع مصر، ولم يراجع أحد محطات وسنين تاريخنا الكروي بكل الأسماء والوجوه والوقائع والملامح والتفاصيل، وتسجيلها من باب الاحترام والامتنان لكل ما قدمته اللعبة الجميلة لمصر، ولمْ يسعَ أحد لتأمل وبحث وتفسير سبب امتلاك كرة القدم في مصر هذا الاستثناء وتلك الخصوصية. هنا يحاول أيوب أن يتتبع تاريخ كرة القدم قبل حتى وصول أي فرقتين لأي ملعب كرة، محاولاً الوقوف على أحداث ووقائع وتفاصيل كثيرة تتعلق بكرة القدم. هنا أيضًا يخلط أيوب بين نتائج الكرة وحكاياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، متمنيًا أن تكتمل الصورة بكل خلفياتها وتفاصيلها.ما ينتقده هنا الكاتب أيضًا هو أن البعض يختصر حكاية كرة القدم في نادٍواحد وفي تاريخه ونجاحاته. لهذا عمد الكاتب إلى الالتزام بكتابة تاريخ كرة القدم في مصر كلها، وليس تاريخ الأهلي أو الزمالك أو الاتحاد السكندري والترسانة والمصري والإسماعيلي، وكل أندية مصر في الشمال والجنوب، أيًّا كان حجمها أو تاريخها، لأنه مقتنع أن كل نادٍ منها أصاف صفحة أو أكثر لهذا التاريخ حتى يكتمل. أيوب يبدأ كتابه هذا بمقولة نشرت في العام 1890 بجريدة الأهرام تقول: " نحذر الناس من شغف الأطفال بلعبة الإنجليز وهي قذف الكرة في الأراضي الفضاء، دون أن تفلح كل محاولات الجند في منع الأطفال من ممارسة هواياتهم..فاضطروا إلى إبلاغ أولياء أمورهم بهذا العبث، بدلاً من مطاردة أصحاب المنازل لهم ".

غرام وانتقام

هنا يرى أيوب أن كرة القدم كانت هي أول لعبة حقيقية للفقراء المصريين المحرومين من اللعب في كل تاريخهم القديم والطويل، وقد احتقرها الأغنياء فيما وقع الفقراء في غرامها بحثًا عن الفرحة المستحيلة وكل الحقوق الضائعة والمؤجلة، وقد أصبحت بعد ذلك سلاحهم للانتقام من ظروفهم القاسية وحرمانهم الطويل.أيوب يرى أن الوصف المنسب والدقيق جدًّا لحكاية مصر وتاريخها مع لعبة اسمها كرة القدم هو " غرام وانتقام ". كذلك يؤكد الكاتب أن المصريين لم يكونوا يرون لعبة القدم مجرد لعبة، بل كانت تعني لهم ما هو أكثر من اللعب، إذ كانت بالنسبة لهم تصحيحًا لأخطاء تاريخية لم يكونوا هم أصحابها، رغم أنهم كانوا هم ضحاياها. أيوب الذي يذكر أن أحدًا لا يعلم من هو أول مصري لعب كرة القدم، يقول إننا نعرف متى وكيف بدأ المصريون يلعبون كرة القدم.لقد دخلت كرة القدم مصر يوم دخلها الإنجليز عام 1882 بعد أن قصفوا الإسكندرية واحتلوا مدن القناة، ثم دخلوا القاهرة يوم الخميس الرابع عشر من سبتمبر. لقد جاء الجنود الإنجليز إلى مصر في أياديهم السلاح وفي حقائبهم لعبتهم المفضلة كرة القدم، يلعبونها في ساحات معسكراتهم وثكناتهم.في كتابه هذا والذي تعدّى الـ 550 صفحة نعرف أن إقبال الفقراء المصريين على لعب الكرة لم يكن ظاهرة مصرية، بل كان ظاهرة عالمية، إذ في اوج التوسع الإمبراطوري البريطاني أصبحت كرة القدم السلعة البريطانية الوحيدة التي يجري تصديرها بهمة وحماسة لفقراء العالم مقابل السلع الفخمة والأقمشة الأنيقة التي جرى تصديرها للأثرياء. هنا يورد أيوب ما قاله إبراهيم علام من أن الأمر لم يكن يقتصر على مشاجرات اللعب وحساسية الفوز أو الخسارة، وإنما نجحت مباريات الكرة وقتها في أن تجذب عصابات متخصصة في النشل والسرقة، يحرص أفرادها على حضور كل هذه المبارايات لينشلوا ويسرقوا النقود والثياب وكل ما يمكن أن تطوله أيديهم.بل لم تقتصر مخاطر اللعب فقط على المشاجرات وعصابات النشل، بل أدى اللعب في الأراضي الفضاء وفي الخرابات إلى وجود عديد من الضحايا لمختلف أنواع الحشرات والعقارب والثعابين. 

جمهورية كرة القدم

في هذا الكتاب المليء بالمعلومات عن كرة القدم وتاريخها في مصر والتي قد تكون جديدة تمامًا عن الذين لا يعرفون شيئًا عن كرة القدم سوى أن يشاهدوها عبر الشاشة أو داخل الاستاد، يقول أيوب لم يكن الإنجليز وحدهم من مارسوا في مصر الاستغلال السياسي والاجتماعي لكرة القدم في نهايات الحرب العالمية الأولى، بل كان هناك أيضًا مختلف أبناء الجاليات الأجنبية من يونانيين وفرنسيين وإيطاليين وألمان، وقد كانت كرة القدم وأنديتها بالنسبة لهؤلاء بمثابة وسيلة لتوحدهم وتجميع شبابهم بهوية واحدة تحميهم وتمنعهم من الذوبان في الآخرين. وقد كانت كرة القدم أداة سياسية يعبر بها المصريون عن وحدتهم وانتمائهم وحبهم لمصر ورفضهم وغضبهم واحتجاجهم على كثير مما يجري على أرضها منذ أيام الحرب العالمية الأولى. هنا أيضًا نعرف أن جيمس ماكراي هو أول مدرب حقيقي محترف في تاريخ الكرة المصرية، وكذلك نعرف أن عبد الحكيم عامر قال لرفعت الفناجيلي قبل السفر للمشاركة في دورة طوكيو الأوليمبية 1964 إذا لم تلعب جيدًا في طوكيو فسأنزع النجوم العسكرية من فوق كتفيك.كذلك نقرأ ما قاله عبد الحليم حافظ عام 1966 عن علي أبو جريشة من أنه أفضل لاعب كرة في مصر ولن تشهد مصر في العشرين عامًا المقبلة من هو أفضل منه، وإذا أحب عبد الحليم اختيار منتخب قوي لمص فسيختار علي أبو جريشة فقط ويترك له حرية اختيار من يلعبون بجواره في هذا المنتخب. في " مصر وكرة القدم " يكتب ياسر أيوب عن اللعب في زمن الحرب، عن سلطان كرة القدم، عن أول اتحاد مصري لكرة القدم، عن المرأة المصرية في ملاعب كرة القدم، عن المونديال والكأس السلطانية وكأس الأمير، عن مصر وفلسطين والأزمة الكروية الكبرى، عن أول رجل أعمال في ملاعب الكرة المصرية، عن جمهورية كرة القدم، عن اللعب والحرب وجمال عبد الناصر، وعن الدوري الأول على شاطيء الإسكندرية، وعن موضوعات أخرى تتعلق بالساحرة المستديرة التي أصبحت اللعبة الأكثر جماهيرية في مصر والعالم.