رئيس التحرير
محمود المملوك

"داعش" وإدارة التوحش!

ياسر ثابت
ياسر ثابت

 

 

نجح تنظيم "داعش" في نشر رائحة الموت في معظم أرجاء العالم، وإن ظل نصيب العرب والمسلمين من الضحايا هو الأعظم ومن التشويه الفظيع لإنسانيتهم هو الأقسى.

اغتال "داعش" تعاليم الدين الإسلامي بداية، ثم اندفع يغتال العرب.

حوَّل الدين الحنيف إلى وحش أسطوري يمتهن تدمير الحضارة الإنسانية، وحوَّل الإنسان العربي إلى سفاح يحترف القتل الجماعي بغير تمييز بين الرجال والنساء، بين الأطفال والشيوخ، وبين العرب والفرنجة، وبين المسلمين وأتباع الأديان الأخرى. جعل الإسلام وحشـًا ضاريـًا يحترف اغتيال الضوء.

نكره "داعش" أم نكره تصوراتهم المشوهة عن الدين الذي انتحلوا رايته أم الاستبداد الذي خرجوا من عباءته أم نكره كل القتلة الذين يهدرون حق الناس في الحياة؟ 

السؤال يطرحه مسلسل الجرائم البشعة التي ما برحت تصدمنا بين الحين والآخر، والتي كان بينها مقتلة باريس التي تباهى بها تنظيم "داعش" وأدت إلى قتل أكثر من 130 إنسانـًا بريئـًا في 13 نوفمبر 2015. وقبلها بيوم كان التنظيم الوحشي قد ارتكب جريمة مماثلة في الضاحية الجنوبية في بيروت، قتل فيها 43 شخصـًا. قبل الجريمتين كانت لعناصر "داعش" مذبحة في أنقرة قتل فيها 100 تركي، وفي تونس تمثلت بصمة الدم في عمليتين قتل فيهما أكثر من 60 شخصـًا. أي أن تفجيراتهم استهدفت الأوروبيين والشيعة وضرب اقتصاد مجتمع أهل السُنة في تركيا وتونس. وحتى الآن على الأقل فإن الذي لم يُمس من جانبهم هو الولايات المتحدة وإسرائيل .

في مشهد مروع، بث تنظيم "داعش" في فبراير 2015 شريط فيديو، يوضح حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيـًا.

ظهر في الشريط، الكساسبة -الذي أسره "داعش" في ٢٤ ديسمبر 2014- مرتديـًا زيـًا برتقاليـًا، ومحتجزًا في قفص كبير أسود، قبل أن يضرم رجل ملثم يرتدي زيـًا عسكريـًا قُدِّم على أنه "أمير أحد القواطع التي قصفها التحالف الصليبي"، النار فيه حتى تفحم.

من الذبح إلى الرجم بالحجارة، مرورًا بالرمي من فوق البنايات والحرق وأخيرًا التغريق بالماء. هكذا تطورت طرق الإعدام المتبع من قبل تنظيم "داعش"، لإحداث صدمة ورعب لدى المتلقي، وفقـًا لما ورد في كتاب "إدارة التوحش"، تأليف القيادي المتطرف أبو بكر ناجي، وهو الكتاب الذي يستمد منه "داعش" خطته الحربية، بشأن سفك الدماء، ويرى أنه لا حل للوصول إلى "الخلافة الإسلامية" إلا عبر ثلاث مراحل، هي: "النكاية"، و"التوحش"، والمقصود به الفوضى، ثم "إدارة التوحش"، بمعنى إدارة المناطق التي تمت السيطرة عليها . 

تعمد التنظيم تصوير الإعدامات وبثها عبر مواقع جهادية ومواقع التواصل الاجتماعي، لتوصيل رسالة معينة منذ إعلانه قيام ما يُسمى بـ"دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام"، وبدأ "داعش" في تنفيذ الإعدام الجماعي والفردي عن طريق الذبح وفصل الرأس عن الجسد، مبررًا جريمته بآراء شرعية اختلف بشأنها الفقهاء.

لجأ "داعش" فيما بعد إلى طرق أخرى، منها الرجم بالحجارة، ونفذ ذلك في عراقيات وسوريات، زعم بأنهن زانيات، واتبع التنظيم أسلوبـًا آخر في القتل من خلال الرمي من أعلى البنايات، وقتل شابين قال إنه تم ضبطهما في وضع مسيء، ووجه لهما تهمة ممارسة اللواط.

لاحقـًا، أعدم التنظيم الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، حرقـًا، في سابقة هي الأولى من نوعها، ما أثار موجة عارمة من الانتقادات في العالم، ما دعا الجميع إلى وصف "داعش" بالتنظيم الوحشي، لارتكابه جرائم بشعة ضد الإنسانية.

في كتابه "إدارة التوحش"، يقدم أبو بكر الناجي رؤية التيار الذي ينتمي إليه، وهو تيار التوحيد والجهاد، ويقدم نظرية تنطلق من تفكيك الدولة على ثلاث مراحل أولها سماها شوكة النكاية، وهي الإمعان في القتل والحرق والوحشية المفرطة، التي تستهدف بث الرعب في نفوس الداخل والخارج بالشكل الذي يبسط سلطة المجاهدين، وهو لا يستبعد فشل تلك المرحلة في تحقيق الهدف منها، حيث يقول ببساطة: "الإخفاق في إدارة التوحش سيؤدي إلى مزيد من التوحش، لكن أفحش درجات التوحش هي أخف من الاستقرار تحت نظام الكفر بدرجات" .

وإذا كان فقهاء الإسلام يعتبرون "حفظ النفس"، أي نفس، من الضرورات الخمس في الإسلام، فإن البعض أتى ليخرق في الدين والفقه والشريعة خرقـًا لم يرتق حتى اليوم. لا يتردد هؤلاء من كارهي الحياة عن سفك الدماء، لا يترددون وهم يفرضون مشاهد القتل والذبح والخراب والدمار على ضمير البشرية المعاصرة باسم الدين.