رئيس التحرير
محمود المملوك

البرنامج الصباحي

داليا وصفي
داليا وصفي

منذ بضعة أيام شُرفت بأن أكون ضيفة بإحدى برامج إذاعة مونت كارلو، وكان موضوع الحلقة حول: الحب في مكان العمل فرصة أم ورطة وما هي سلبياته وإيجابياته على العمل وعلى العلاقة ذاتها.

وتحريًّا للصدق وقفت في جانب ميل كفة السلبيات مقابل الإيجابيات على أجواء العمل وعلى العلاقة، ولم يكن هذا الميل من فراغ، وتحديدًا هذا الميل للسلبيات يأتي إذا كانت العلاقة بين زملاء العمل في عالمنا العربي عامة وفي مصر خاصة بناء على معرفتي بطبيعة المجتمع والشعب المصري والقوانين المصرية.

ربما تكون الإيجابيات الوحيدة التي رأيتها في علاقات الحب بالعمل هي مقدار التعارف الحقيقي والخالي من التصنع نوعًا ما عن مُقابلة الذي نراه في الزواج المرتب والمعروف في مصر بزواج الصالونات، هذا النوع من الزواج المليء بالتصنع ومفاوضات البيع والشراء والخالي تمامًا من الشغف ومن النشوء الطبيعي السلس للعواطف، والخالي أيضًا من المعرفة الحقة من كل طرف للآخر، وهو ما يمكن تجاوزه في حالة التعارف بالصدفة في أماكن الدراسة أو العمل أو الأماكن الاجتماعية كالنوادي والكافيهات وأماكن الندوات أو الحفلات.

بينما السلبيات فحدث ولا حرج؛ إن كان أحد طرفي العلاقة يعاني من الغيرة فسنرى تضخمها مما يسبب غضبًا للطرف الغيور وتوترًا لا نهائيًّا للطرف الآخر، وإن كان أحدهما متسلطًا فسنرى نظرات التهديد بين حين وآخر وارتباك دائم للطرف الآخر، وقد يكون أحد الطرفين اتكاليًّا أو كسولًا، فنراه يلقي على عاتق الطرف الآخر جميع المهام المهنية مما يسبب ضغطًا على الطرف المتحمس للحب وللتضحية، وظلمًا مهنيًّا للمؤسسة لأنها تعطي راتبًا لمن لا يعمل ولا تكافئ آخر يعمل عملًا مضاعفًا.

 وهو ما ظهر بوضوح في بعض الأعمال الفنية المصرية والتي منها على سبيل المثال:

  1. مراتي مدير عام: فيلم من إنتاج ستينيات القرن الماضي وهو من مجموعة الأفلام الناصرية الداعمة لضرورة خروج المرأة للعمل وإثبات قدرتها على تحمل المسؤولية والمشاركة بشكل فعلي في كافة مناحي الحياة داخل وخارج المنزل.. وبهذا العمل وبعيدًا عن نهايته التي قد تبدو رومانسية بشكل غير واقعي نرى بوضوح: تأثير الغيرة بالعمل، تدخل زملاء العمل في الحياة الشخصية للزوجين، تأثير الانفعالات بالعمل على المنزل والعكس وغيرها من الأزمات التي ناقشها الفيلم بصورة كوميدية مخففة.
  2. فيلم تيمور وشفيقة: فيلم من إنتاج عام 2007، ويمكن تصنيفه من وجهة نظري كأحد الأعمال السينمائية الدالة على انحدار وضع المرأة بالمجتمع، وفيه نرى أيضًا بوضوح: الغيرة من أحد الأطراف والتي تسبب توترًا شديدًا للطرف الآخر، السيطرة والتحكم من طرف على الآخر والذي يصل بالنهاية لمحاولة الطرف الغيور المتسلط لمحو شخصية ومهنية وكيان الطرف الآخر بسلطة الزواج الديني المدعم بتشريعات تسمح للزوج بمنع زوجته من العمل.. بل وأكثر من ذلك تسمح للزوج بمنع زوجته من الخروج من المنزل بشكل كُلي.

وقد يحدث أن يكون أحد الطرفين رئيسًا والآخر مرؤوسه، وعندها يكون من السهل رؤية التمييز السلبي على الطرف المرؤوس إما بالتعنيف أو الخصم أو حتى الرفد في حالة فشل العلاقة أو توترها، وقد نرى التمييز الإيجابي في الدعم المادي أو المعنوي أو حتى الترقية في حالة كون العلاقة تسير هادئة، وهذا أو ذاك يؤدي إلى ظلم بعض العاملين أو سوء إدارة يودي بإنتاجية المؤسسة للتهلكة..

هنا بالنقطة الأخيرة تحديدًا يمكننا أن نرى صورًا أخرى للارتباط في العمل، ارتباطًا غير مرغوبٍ فيه من أحد الأطراف ولكنه مجبر عليه خوفًا من الاضطهاد أو الأذى أو للحفاظ على مصدر الدخل أو للحفاظ على مزايا مهنية ومادية..

وأثناء مناقشتي لتلك الجزئية تذكرت العمل الفني الأمريكي "The Morning Show" وهو مسلسل من إنتاج عام 2019 وفيه يتم مناقشة مشكلة العلاقات بالعمل ولكن من زاوية الاستغلال الجنسي بالعمل، وهو الجانب المسكوت عنه في مجتمعنا المصري والعربي، ورغم تفشي وتغلغل تلك المشكلة بكل مؤسسات المجتمعات العربية إلا أن أغلب تلك الدول كما ذكرت تغض الطرف عن تلك الأزمة وتدمج عقوبتها مع عقوبات التحرش وهتك العرض والاغتصاب، "وهي عقوبات مخففة بالنسبة للدول المتقدمة بجانب كونها لا تطبق في أحيان كثيرة"، دون محاولة منع الضرر قبل وقوعه باتخاذ الإجراءات الوقائية المناسبة التي ذكرت بهذا العمل الفني وبأعمال فنية أخرى سواء كانت سيرة ذاتية عن قصص واقعية أو أعمال فنية درامية توعوية كفيلم North Country المأخوذ عن قصة حقيقة بدأت أحداثها في عام 1984 عندما تقدمت إحدى العاملات بمناجم الفحم في ولاية مينيسوتا الأمريكية بشكوى ضد زملائها الرجال بالعمل لتحرشهم الدائم بها وبزميلاتها من النساء، واستمرت تلك القضية لأعوام حتى تم الحكم في عام 1997 بإجبار المؤسسة على تعويض النساء العاملات بها عن الأضرار المادية والنفسية جراء التحرش بهن، وأيضًا إلزام المؤسسة على اتخاذ إجراءات عدة لمنع تكرار هذه الانتهاكات.

وأولى هذه الإجراءات كانت إجبار المؤسسة على تثقيف وتوعية جميع العاملين بها "رجالًا ونساءً" عن معنى وأثر وعقوبة التحرش الجنسي، وهو ما تم تحديثه بالقانون الأمريكي وإلزام جميع المؤسسات بالقطاع العام والخاص به بجانب تسهيل إجراءات الإبلاغ عن التحرش الجنسي أو علاقات الاستغلال الجنسي بالعمل والتحقيق فيها، وضمان عدم وجود ثقافة الإسكات أو التغطية والتساهل من إدارة المؤسسة عن طريق إدارة شؤون العاملين أو مكاتب متخصصة.

هل من الممكن أن نأمل بأن تحظى مؤسساتنا بتلك الشفافية والمصداقية والدعم في أماكن العمل أو التعليم؟

مع الأسف أغلب مجتمعنا المصري يدعم ثقافة الإسكات والتغطية في كل ما يهين المرأة والطفل، سواء كان عنفًا لفظيًّا أو جسديًّا، انتهاكات مادية ومعنوية، اعتداءات بالمنزل، وبالمؤسسات التعليمية، وبالمؤسسات المهنية، وبالطرق العامة.