رئيس التحرير
محمود المملوك

الغموض والنهوض

 

كيف يتوقع الناس ما بعد عام كورونا المرهق؟ هل يتوقعون خيرا أم يحلمون بالأفضل أم يتمنون الأهدأ أم ينتظرون الأوقع ؟

هل تتوقع البشرية انتصارا على الوباء كبلاء والإرهاب كوباء ؟ أم أنه من الأوقع ان يظل الناس جميعا في حالة توقع لحدوث امر كبير مرتقب؟ أم انهم يعتقدون ان الأيام دول بالرغم من ان الدول احداثها صارت أيام؟ وهل الناس بالفعل يؤمنون ان الغد حتما سيحمل لهم الخير؟ أم ان أحلامهم صارت أمنيات لا يصدقون انها قريبة المنال؟

اعتقد اننا كلنا نعلم أن غدا لناظره قريب ولكن هناك فرق بين قرب المستقبل واقترابنا نحن منه، لأن المستقبل فى كل الأحوال هو حتما آت إلينا بما يحمله من كل أنواع الأقدار، ولكن الأذكياء وأولوا الألباب هم فقط من يشرعون في الاقتراب من المستقبل ليس فقط بالتنبؤات العلمية ولا حتى بالنبوءات التاريخية ، ولكن بكثافة التفكير والتحليل المنتظم والتخطيط الملتزم بمنهج مبني على رؤية تحدد أهدافا يؤمن الجميع بوجوب العمل على تحقيقها مهما تكلفوا من كد وتعب ومعاناة، تجمعهم حزمة من القيم المشتركة وتحفزهم دوافعهم التي من الممكن أن تكون متنوعة بتنوع أفكارهم وثقافاتهم ونوازعهم المتناغمة مع قيمهم.

إذا ماذا تتوقع غالبية الأمم الملتحمة وغير المتحدة مثلا عند انتهاء عام ٢٠٢١ وما سيليه؟ هل ستظل دنيا البشر في حالة التأرجح بين الأمل في الاستقرار بعد النجاة من وباء الإرهاب وبين الصعود إلى هاوية الفناء كنتيجة لعدم السيطرة عليه؟ أم أنها ستستمر في حالة التمايل الآيل للسقوط بين هزات الموجة الأولى والثانية والثالثة وما قد يليها من بلاء الوباء؟ هل نحن أمة البشر جاهزون للفناء أم عازمون على استمرار البناء؟ ام نحن مجرد كائنات بشرية تحتاج إلى صفعات قوية لتستفيق وتحاول النهوض والخروج من مناخ الغموض الذي القي بظلاله على كوكب البشر؟

ليتني ما طرحت كل هذه الأسئلة على نفسي التائهة بين ما تراه عيني من واقع فاجع وتسمعه اذني من رعد رادع ولكني بالفعل وددت لو إني سألت نفسي سؤالا واحدا مفاده " ماذا اعددنا للمستقبل ؟ " أليس هذا اوقع واقصر واسهل؟ وبما انني طرحت هذا السؤال علي نفسي كمواطن يعيش على ارض حباها الله لشعبها  فاقترح عليكم جميعا ان تسألوا هذا السؤال لأنفسكم بصفتكم مواطنين وليس باي صفة حكومية على الإطلاق بشرط أن تتركوا لأنفسكم العنان في الإجابة والتي أعتقد أنها هي أيضا ستخرج بحد ادني فى صورة أسئلة متدفقة مثل التالي: ماذا نفعل كمواطنين من أجل تجنب الإصابة بالوباء؟ ماذا نفعل من أجل أن نستعيد هويتنا؟ ماذا نفعل من أجل استفاقتنا من الغيبوبة الحضارية؟ ماذا نفعل من أجل تحسين أحوالنا المعيشية؟ ماذا نفعل نحن المواطنين من أجل تحسين مستوي أخلاقيات مجتمعنا؟ ماذا نفعل من اجل تحسين الذوق العام؟ ماذا نفعل من أجل رفع مستوانا العلمي؟ ماذا نفعل من اجل مستقبل افضل لأولادنا وأحفادنا؟ ماذا نفعل من أجل توحيد كلمتنا؟ ماذا نفعل من اجل تحصين انفسنا ضد الفتن والغزو الفكري؟ ماذا نفعل من أجل حماية تراثنا وثرواتنا التاريخية؟ ماذا نفعل من اجل ضمان الانضباط في الشارع؟  ماذا نفعل من أجل تحسين جودة كل ما ننتجه من مصنوعات وما نقدمه من خدمات وما ننشره من محتوي؟ كيف نتحد جميعا كمواطنين في مواجهة الفساد واللا مبالاة؟ كيف يمكننا ان نساعد في استمرار تحسين وترقية صورتنا امام العالم؟

عزيزي القارئ إن هذه القائمة المتدفقة من الأسئلة قد تطول وقد لا تنتهي فهي غيض من فيض مما أعتقد أننا يجب أن نوجه لأنفسنا أسئلة واستفهامات واستجوابات سواء كنا مواطنين عاملين أو غير عاملين أو كنا مواطنين لنا صفات رسمية او مرشحين لتمثيل الشعب في مجلس النواب وسواء كنا مواطنين لنا صفات قيادية أو استشارية وسواء كنا رجالا أو نساء أو شبابا أو كهولا أو حتى أطفالا نترعرع في بيئة عصرية ومناخ اجتماعي يتصف بالعصرية المشربة بعصائر التاريخ والحضارة.

أيها السادة
لقد تعطلت الحقيقة المادية والتقارب الوثيق الذي ميز البشر لعشرات الآلاف من السنين على مدى القرن الماضي حيث فصلت الحركات الجماعية للناس عن ثقافاتهم وقيمهم. ولقد حاولت الشبكات والمنصات الرقمية حل هذا اللغز من خلال السماح للناس بتشكيل مجتمعات افتراضية و لكن كيف ستسمح تقنيات المستقبل للبشرية بخلق واقع محلي (عالمي) جديد، واقع يسمح للإنسان المدعم حضاريا بتحقيق المستحيل في أكثر البيئات تحديًا. 

لقد سبق لي أن ركزت منذ فترة ضمن سياق سلسلة مقالاتي بعنوان مصر العالمية على الضرورة الاستراتيجية لتطوير الذات الشعبية والوطنية لان الشحنات الوجدانية التي تصدر عن النشاط الإعلامي والثقافي كثيرا ما تزيد التضخم في الذات القومية بدون أن تتخلل جرعاتها في شرايين الذات الشعبية والوطنية فلقد تربينا جميعا وأقصد بجميعًا الأجيال التي نشأت قبل الثمانينات من القرن العشرين على فخامة وضخامة المعني القومي وارتوينا بكثير من الجرعات الثقافية والتاريخية والحضارية والفنية الراقية وما لبثنا أن دخلت علينا حملات الغزو الثقافي بين الانفتاحية المعصرنة والإباحية المهجنة وبين الدينية المعجونة بالتطرف والتشدد غير المبرر وها نحن وقد نشأت بيننا أجيال لم تحظي بمثل ما انعم علينا به الخالق عندما كنا ندقق ونراعي ونتحرى صدق المنطق وطهر الجوهر وشفافية المقصد  فماذا لدينا في جعبتنا لمستقبل الوجود الإنساني غير القرب والإنتاجية والسعي وراء السعادة؟

يستمد جزء كبير من تصور الأفراد لذواتهم الحالية من ذكرياتهم عن الماضي وتصوراتهم عن المستقبل. في الوقت نفسه ، تتأثر إعادة بناء ماضيهم وتوقعاتهم لمستقبلهم بالمعتقدات الحالية ، والمشاعر، ووجهات النظر الذاتية، حيث يمكن اعتبار الذات الماضية والمستقبلية على أنها ذوات ممتدة زمنياً تختلف في القرب من الذات الحالية، لهذا فإنه من المهم بدرجة كبيرة جدا أن لا ننتظر شيئا من انسان بدون ثقافة ولا نماء لهذا الإنسان الذي ينمي وطنه، بدون أن تتم تنمية ثقافته لأن ادراك الفرد يرتبط بشكل كبير بمعدل الإدراك العام في المجتمع الذي يعيش فيه لذلك فإن المواطنين يحتاجون دائما الى رعاية وتطوير وتحسين للذات الإنسانية من خلال تعزيز قدراتهم علي استيعاب المتغيرات والمفاهيم المتعددة التي تطرأ علي المجتمع نتيجة التداخلات والتفاعلات مع مجتمعات أخرى وذلك قد لا نحصل عليه إلا من خلال اعلام غيور وذكي ومنظومات نشطة أفقيا في انتاج المحتوي الثقافي، فالمواطنون بصورة عامة قد يكونون مثقفين ولكن بصورة نسبية ونوعية ولكن كيف يجتمعون معا حول مفاهيم ومرجعيات تحكمها معايير واضحة ومقنعة للجميع حتي يمكن أن يحدث الإنجاز بل ويعم على المجتمع ككل بدون أن ينتشر الاعتقاد فيه والانتماء له وتبنيه والعمل على تحقيقه الا أن يتم التركيز على إثراء الضمير الجمعي والتراثي وتنوير العقل الجمعي وربط الطموح البشري بالقيم والمرجعيات الإنسانية التي تجمع الناس حول مفهوم نفسي ومنطقي عام تنتج عنه تغييرات وسلوكيات وردود أفعال من المفترض أن تكون متناغمة ومتكاملة وليست متباينة لأننا أصبحنا أمام ضرورة حتمية مفادها استعادة الهوية والمكانة والكلمة والرؤية والريادة الإنسانية التي لا تتحقق إلا بتلبية المتطلبات الأساسية للناس والمقومات الأساسية لمجتمع راق ومتحضر وهذا يحتاج إلى ضبط الجرعات الوجدانية وإزالة الغموض والاستماتة في نشر وتعميم والترويج للمنهج العلمي والتركيز على دفع الناس للنهوض والاقتراب الآمن من حياتهم المستقبلية الخالية من الفقر والجوع والمرض والجهل والعنف والتطرف والصراع المنهك للقوى.
نحن نحتاج بشدة للنظر بعمق استراتيجي في الكيفية الأمثل لامتزاج الذات الوطنية بالذات الشعبية لنقدم لأنفسنا رؤية واضحة عن صورتنا المستقبلية التي نرغبها جميعا.