رئيس التحرير
محمود المملوك

خلي بالك من زيزي جدًا

في البداية ولأن اسم المسلسل "خلي بالك من زيزي" تخيلته حاجة خفيفة تستمد طرافتها من فيلم آخر يسكن ذاكرة المصريين “خلي بالك من زوزو”، وعندما وجدت اسم مريم نعوم عليه كان لابد من المشاهدة لكي أحسم أمري هل أتابع أم لا.


اكتشفت ان المسلسل ليس خفيفًا بالمرة بل ربما كانت مسلسلات أخرى تدعي الجدية والاكشن والرعب، ويموت فيها شخصية كل كم حلقة أكثر خفة من زيزي ومسلسلها.
لم يأخذ بلبي ماناقشه المسلسل من قضايا على أهميتها مثل مايمر به الشخص العصبي ،ومشكلة الطفل كثير الحركة والجوانب التربوية والنفسية وهشاشة العلاقات في الأسرة المصرية ،وتعقد العلاقة الزوجية والفشل والطلاق ،والاستسلام للعزوبية كما في حالة المحامي، وسيطرة الأهل بعد الزواج على الأسرة الناشئة كما في حالة أسرة عطيات.
كل هذه القضايا شبعت مناقشة في المسلسلات والأفلام العربية ، لكن المعالجة والكتابة وطريقة تقديمها للمشاهد هو ماجعل المسلسل متميزًا ويكاد يكون هو ولعبة نيتون الافضل لهذا الموسم الرمضاني من وجهة نظري. 
على مهل وبعد دراسة وبمعلمة كتبت حلقات زيزي لكي تبين لنا كيف وصلت زيزي لهذه الحالة عن طريق خط موازي للطفلة تيتو التي تعاني نفس المشكلة فرط الحركة وتشتت الانتباه والمشاكل الدراسية، لم تنجح زيزي في الجامعة إلا بمساعدة هشام، ولم نعرف هذه المعلومة على لسان هشام مثلا وهو يعايرها أثناء شجار، أو على لسان امها وهي تنصحها بالبقاء معه لانه سندها وظهرها، لكن علمناها من تسجيل صوتي وقع بالصدفة في يد زيزي وهي تنظف حجرتها من محتويات أرسلها لها هشام بعد انتهاء علاقتهما بالطلاق ، فتحت التسجيل فسمعنا وعلمنا في أقل من دقيقة ورأينا دموع زيزي على حبها الذي أضاعته لأنها لم تتعلم كيف تحتفظ بالحب وهي مهارة لاتنقص زيزي وحدها، وإنما يشاركها فيها الكثيرون في المسلسل. 
تختنق استغاثات الاحتياج والرغبة والمعاناة تحت جلد الشخصيات وتطفح ألسنتهم الداخلية بما يظهر في عيونهم لكنهم يديرون ظهورهم لمن يحتاجونهم ويبقون صامتين ،وليس أكثر تأثيرًا من مشهد الأب بيومي فؤاد وهو يريد أن يتقلب في سريره الذي عادت زوجته مضطرة للنوم فيه بجواره بعد عودة زيزي الى البيت ، يريد الرجل أن يجعل المرتبة متساوية بعد ان صنع جسده حفرة في الجانب الذي ينام فيه ، وحين ترفض زوجته الانتقال ثم تشعر بغضبه المكتوم وتحاول استرضائه يرد قائلا :"لا خلاص خليني في الحفرة أنا اتعودت عليها وهي اتعودت عليا"، تلك الحفرة التي نصنعها من وحدتنا وتوحدنا ونتشرنق بداخلها رافضين المساعدة العابرة المتأخرة المتخاذلة "فض مجالس او أداء واجب"،لارغبة حقيقية في الإنقاذ ،ولا نية للتواصل الجاد الفعال ،وهو نفس ماتقوم به الأم  والأب تجاه زيزي ، شخصيات عانت الفطام العاطفي والتراحم الإنساني  منذ الطفولة،وخضعت لحياة يومية ميكانيكية أقصى طموحها توفير نفقات الأكل الديلفري،وتأمين قسط شقة التجمع.
كل ذلك وأكثر منه يقوله المسلسل على مستوى كل الأسر والأفراد المشاركين حتى الحيوانات التي حرص صناع المسلسل على الإشارة لعدم إيذائهم في التتر في سابقة نتمنى أن يحتذي بها الجميع، دون أن يصرخ الممثلون ويقطعون شرايينهم كما يفعل جيرانهم في مسلسلات رمضانية اخرى،رغم ان الأمر لايقل خطورة أنه تقطيع شرايين حقيقي لكن بنعومة وبمعلمة وبكتابة ملهمة وملهمة من كل الأعمال الأدبية والسينمائية العظيمة ، التي لاتتخذ من الحزق في الكتابة والتمثيل والإخراج منهجًا وعنوانًا. 
لم يستسهل كتاب المسلسل أو يقدموا الحلول الجاهزة  المتواروثة على مدى تاريخ من الدراما العائلية ،من قبيل أن تغير المراة ملابسها وتهتم بشعرها وترقق صوتها وتثبث ذاتها فيعود إليها الزوج  المارق، لكنهم بحثوا بعمق وقدموا شخصيات حية من لحم ودم ،ولمسوا أسلاك العلاقة الشائكة ،هي رحلة معاناة تخوضها زيزي فتفشل في التواصل مع الطبيب النفسي في أول جلساته وبالمناسبة الطبيب أيضا صاحب رحلة ومعاناة،وتفشل في العمل الأذي لم يؤهلها أحد له يومًا.
أنتظر بشغف حلقات المسلسل الأخيرة ،وأتوقع حلولًا مبتكرة تتفق مع ما مر من حلقات ناجحة ومؤثرة في رحلة معاناة زيزي ،معاناتنا.


 

عاجل