رئيس التحرير
محمود المملوك

تامر عبده أمين يكتب: "سألوني الناس"

• الفنان القدير الراحل "عُمر الشريف" وهو طفل كان بيدرس في مدرسة إنجليزية مشهورة وليها تاريخ اسمها "كلية فيكتوريا".. هي مدرسة آه بس اسمها كلية!.. وجوده في المكان ده خلّى الطفل يكبر وهو متقن لكذا لغة غير اللغة العربية إتقان تام.. ولما تضيف على الإتقان ده كمان حبه من وهو شاب لمجال الفن عمومًا هتقدر تفهم إن هدفه كان إنه يحقق حاجة بره مصر.. كل المحاولات اللي كان بيعملها عشان يحقق حلمه فشلت لأسباب معظمها ليها علاقة بإن طبيعي لو مابدأتش أول درجة في السلم في بلدك يبقى أنا كـ دولة أجنبية هديلك فرصة على أي أساس!.. واحدة واحدة وبالتدريج بدأ يتعايش مع الوضع القائم وقرر إنه يركز في التمثيل في مصر على أساس إنه أهو أحسن من مفيش وفعلاً لإن محدش بينط السلم مرة واحدة!.. الحلم راح من ذهنه؟.. لأ بس اتأجل والسعى للفرصة هيفضل زي ما هو.. لما كان بيمثل فيلم "في بيتنا رجل" اختلف مع المنتج عشان إداله أجر أقل من "رشدي أباظة".. "عُمر" كان شايف إن موهبته أكبر لكن المنتج كان شايف إن اسم "رشدي" هو اللي هيجيب الجمهور لشباك التذاكر بالتالي يستحق أجر أكبر.. "عُمر" ماكنش هيكمل وكان هينسحب خصوصًا إن تغيير أجره حصل بعد ما كان اتفق خلاص!.. بس بعد محاولات من هنا ومن هناك وتدخلات من الأصدقاء المشتركين وافق إنه يكمل تصوير الفيلم على مضض وكان بحسب كلامه في واحد من حواراته التليفزيونية وبسبب الموقف السخيف ده في أقل درجات تركيزه وهو بيمثل.. وهما في نص التصوير جه مصر المخرج الإنجليزي المعروف "ديفيد لين" في زيارة سريعة.. سببها؟.. عشان يتفرج على الممثل المصري اللي اسمه "رشدي أباظة" ويختاره بطل لـ فيلم "لورنس العرب" بناءً على ترشيحات.. دخل يتفرج على تمثيل "رشدي" أثناء التصوير لكن الغريب إن اللي عجبه هو "عُمر" اللي كان بيمثل من غير نِفس وهو اللي لفت نظره واختاره بدل "رشدي" بطل لفيلم "لورانس العرب" وبدأ من هنا مشوار "عُمر الشريف" في السينما العالمية.. امتى؟.. في الوقت المناسب جدًّا والأفضل له ولقصته بشكل عام.. بالمناسبة في واحد من أواخر حواراته التليفزيونية لواحد من القنوات العربية وقبل وفاته بحوالي 4 سنين المذيعة سألت "عُمر" عن أكتر سؤال بيسألهوله الناس فرد بعصبيته اللذيذة: (الناس بيسألوني كتير وصلت لنجومتيك إزاي وصلت إزاي وصلت إزاي!، وإجابتي دايماً عليهم واحدة وثابتة وقولتها مليون مرة قبل كده في مليون لقاء: حط هدف قدام عينك واشتغل عليه وخلى عندك ثقة إن ربنا هيحققهولك).

• الآنسة "ليندسي" عندها حاليًا 35 سنة.. من وهى عندها 10 سنين كانت أسرتها أسرة بسيطة على قد حالها.. الأب المحاسب في مطعم والأم ربة البيت اللي مش بتشتغل وأختها الأكبر منها اللي عندها 15 سنة.. "ليندسي" كان حلم حياتها تسافر وتعيش في "لوس أنجلوس".. إشمعنى الولاية دي بالذات؟.. يمكن عشان مدينة المشاهير.. يمكن عشان شكل البيوت فيها كان مميز عن ستايل العمارة اللي اتعودت عليه في ولاية "أريزونا" اللي كانت عايشة فيها.. أو يمكن عشان الولد زميلها في المدرسة اللي كانت بتحبه عزّل هو وأسرته راحوا هناك!.. هى نفسها ماكنتش عارفة بس فيه حاجة غريبة كانت بتشدها لـ المدينة دي ورغبة بتزيد يوم عن يوم.. حاجة كده شبه التصميم العيالي بتاعنا على لعبة أو أكلة.. أهو كده وخلاص.. طبعًا ومع ظروف أبوها المنيلة ماكنش يقدر يحقق لها أمنيتها دي، وحتى لو مقتدر وظروفه تمام التمام؛ أكيد ماكنش هيسمع لـ صوت حتة المفعوصة دي يعني ويشقلب حياة الأسرة كلها رأسًا على عقب عشان خاطرها بلا "لوس أنجلوس" بلا بتاع  هو إحنا بتوع الكلام ده!.. "ليندسي" حتى بالتفكير العيالي بتاعها وقتها كانت بتقسم مصروفها نصين.. نص تخليه ليها والنص التاني تروح تجيب بيه أكل وتديه لحد من المشردين في الشوارع!.. كانت مقضياها صلاة ودعاء وأعمال خير ليل نهار.. والغرض؟.. إن ربنا يكافئها ويخليّها تسافر وتعيش في المدينة اللي بتحلم بيها وبتحبها.. "ليندسي" من كُتر حبها في المدينة؛ كانت بتستغل إن مفيش حد في البيت وتمسك التليفون الأرضي وتطلب كود "لوس أنجلوس" اللي هو (323) وترص وراه أي 7 أرقام بشكل عشوائي!.. ولما يرد عليها صاحب الرقم اللي بتتصل بيه كانت تقول له: (لوس أنجلوس؟).. يرد: (نعم، من معى؟).. تتنطط زى العيال وتقفل السكة!.. اللي هو إيه ده الله أنا كلمت حد عايش في لوس أنجلوس وسمعت صوته!.. إحساسها إنها قريبة بشكل أو بآخر من مدينة أحلامها كان بيسبب لها سعادة من نوع خاص ومميز.. عملت الحركة دي عشرات المرات لحد ما في مرة أبوها دخل عليها من شغله وفي إيده لوكشة ورق كتير رماها في وشها وقال لها: (لا يوجد إتصال من الهاتف مرة أخرى بـ "لوس أنجلوس" هل تفهمين؟).. طبعًا ماكنش الورق ده غير فواتير التليفون اللي جت مولعة ولما أبوها استغرب من إرتفاعها طلب كشف تفصيلي بيها فلقى إن بنته متصلة بـ نص "لوس أنجلوس" تقريبًا ففهم الليلة.. الموضوع بيستمر فترة بس ولإن كل حاجة ولها حدود ولإننا برضه بنتكلم عن بنت لسه مراهقة كل يوم دماغها بتكبر؛ بتبدأ "ليندسي" شوية بـ شوية تفقد شغفها بالقصة وتحس إن ربنا حاطط حاجز مبهم بينها وبين السفر للمكان ده بالذات.. لكن بتفضل الدعوة ثابتة على لسانها بشكل إعتيادى يومي قبل ما تنام لأنها اتعودت عليها وبتدعيها بقالها بتاع سنتين مش أكتر لكن الرغبة كانت تقريبًا اختفت.. بعدها بشهور قليلة بتصاب أخت "ليندسي" بالسرطان!.. الأخت بتعمل عملية جراحية لإستئصال الجزء المصاب وبتبدأ جلسات الكيماوي.. للأسف تحت وطأة العلاج الكيماوي بيتكسر مفصل فخذها الشمال وبيتكسر معاه رغبتها في الحياة أساسًا.. الأب والأم كانوا شبه أغلب أبهاتنا وأمهاتنا الناس الطيبة اللي العجز بيبان على ملامحهم وبيسحب من روحهم مع كل مصيبة.. اتكسرت نفسهم.. هنا جه دور "ليندسي" المفعوصة الصغيرة اللي كانت قايمة بدور الأراجوز.. رغم سنها الصغير كانت بتضحك وتهزر وتحاول تبين لأبوها وأمها وأختها إن المحنة دي هتعدي.. كانت بتصمم تبات مع أختها في المستشفى، ولما تتأكد إنها نامت وأبوها وأمها مشيوا كانت تدخل الحمام تعيط لوحدها من زعلها.. حجز الأخت في المستشفى المفروض إنه هيستمر لمدة شهر ونص تقريبًا.. في مرة قررت تتمشى في المستشفى وطلعت للدور اللي فوق اللي فيه الإستراحة عشان كانوا بيعرضوا فيه فيلم كارتون.. الإستراحة كانت فاضية إلا من ولد عنده 16 سنة.. كان باين من لبسه إنه من المرضى اللي بيتعالجوا في المستشفى.. سمعت ممرضة بتنده عليه فعرفت إسمه.. "جيل".. عينه زرقا.. وسيم.. ماسك في إيده آلة الكمان!.. ماكنش فيه في المكان غيرهم هما الإتنين.. شوية وبدأ "جيل" يعزف وهو تقريبًا مش واخد باله من "ليندسي".. الحقيقة إن الولد ورغم سنه كان بيعزف بإندماج وعبقرية.. "ليندسي" إتشدت.. كان بينهم عدد من الكراسي بيفصل بينهم.. مع كل دقيقة بتفوت كانت بتقوم تقرب منه.. كرسي في كرسي في كرسي لحد ما بقت في الكرسي اللي جنبه على طول.. لما خلص سقفت له بإنبساط حقيقي.. انتبه.. اتكسف.. اتكسفت.. شكرها وقام راح على الأوضة بتاعته.. وعشان الأنثى أنثى في أى سن وأى بلد ولما بتصمم على أى حاجة بتعملها؛ المفعوصة فضلت تنخّور يمين وشمال لحد ما عرفت قصته كلها.. "جيل" شاب مصاب بسرطان الدم ومحجوز في المستشفى عشان هيبدأ جلسات العلاج بالكيماوي خلال أيام.. مع الوقت بقت قعدة "ليندسي" المفضلة بعد ما تتطمن على أختها في قسم الإستراحة عشان تسمع "جيل" وهو بيعزف.. مع الوقت أكتر بقوا هما الإتنين أصدقاء.. الكلام جاب بعضه وفي مرة "جيل" قال لها: (تبدين حزينة لأجل أختك).. ردت: (نعم فهى أختي الوحيدة).. قال: (إذن لماذا لا تدعي الله فيشفيها! لقد جربت هذا الأمر مع أبي أثناء مرضه وأفلح).. "ليندسي" شبكت دراعاتها قدام صدرها بغيظ طفولي وقالت: (لا لن أدعوه فأنا غاضبة منه، طلبت منه أمراً ما ولم يستجب).. "جيل" إبتسم وقال لها: (ولما لا يفعل! هل طلبك كان أمرًا وقحًا؟).. ردت بسرعة واستنكار: (بالتأكيد لا).. قال: (إذن فهو تأجيل من الله لوقت ما أكثر ملائمة).. رمى الجملة دي وقال لها إنه هيعزف لها مقطوعة جديدة هتعجبها النهاردة لإنه من بكره هيبدأ مرحلة الكيماوي التانية ومش عارف إن كان هيقدر يعزف تاني ولا لأ.. بدأ يعزف وكان عزفه فعلًا عظيم.. تاني يوم "ليندسي" طلعت للإستراحة ونسيت إن "جيل" قال لها إن النهاردة ميعاد جلسته.. ملقتهوش.. سألت الممرضة فقالت لها إنه في الأوضة بتاعته تحت بعد الجلسة.. نزلت واتسحبت وشافته من ورا الباب.. شاحب.. عينه مطفية.. إيديه متوصلة بأنابيب كتيرة.. مش هو ده "جيل".. كانت عايزة تصرخ في الممرضات والدكاترة رجعّوه تاني للدور اللي فوق يا أغبيا.. هو بيكون في قمة نشاطه وحيويته لما بيكون فوق وبيعزف.. طبعًا كل كلامها راح في الهوا.. بتمر الأيام يوم ورا يوم وبتتدهور حالة "جيل" الجسمانية الضعيفة أساسًا وبيموت!.. يمكن في يوم وفاته "ليندسي" عيطت بشكل إن أختها لو كانت هى اللي اتوفت ماكنش هيحصل.. تانى يوم وفاة "جيل" الممرضة المسؤولة عن حالته بتجيب آلة الكمان بتاعته وبتديها لـ "ليندسي" ومعاها ورقة صغيرة وبتقول لها إن "جيل" طلب منها تديها الكمان ده وتكتب لها على لسانه الكلمتين اللي في الورقة دي عشان ماكنش قادر يمسك القلم.. الورقة مكتوب فيها: (تمسكي بطلبك ولا تتنازلي عنه، الله دومًا يستجيب إن دعوناه بإخلاص لكن في الوقت الملائم له ولنا، كوني على ثقة)..  بتقرر "ليندسي" ترجع تدعي وتتمنى أمنيتها للسفر لـ "لوس أنجلوس" تاني ومعاها أمنية بشفاء أختها.. بتبدأ تتعلم العزف على الكمان.. بتخف أخت "ليندسي" بعدها بشهور وبتخرج من محنة السرطان بصحة بتتحسن بشكل تدريجي وعجز بسيط في حركة القدم بسبب إستئصال مفصل الفخذ بس مش مهم إحنا كنا فين وبقينا فين!.. "ليندسي" بتزيد مهارتها أكتر وأكتر في العزف.. والد "ليندسي" بتجيله فرصة عمل كمحاسب في شركة عقارات في "واشنطن" فبيسافر هناك لوحده وبتفضل أسرته في أريزونا.. "ليندسي" بتزيد مهارتها في العزف أكتر وأكتر وأكتر وخلاص كانت نسيت غصب عنها حلمها القديم وبدأت تعشق العزف على آلة الكمان وبقى ده حلمها الجديد.. سنها كبر وبقت داخلة على الجامعة وقدمت في كذا جامعة في كذا ولاية فجالها القبول في جامعة كاليفورنيا فى "لوس أنجلوس"!.. أووووف.. بتسافر هناك.. بس كده؟.. لأ.. شركة والدها بتفتح فرع في ولاية "لوس أنجلوس" وهو بيطلب يتم نقله هناك وبيحصل!.. الأمور كانت متيسرة بشكل غريب وفي خلال كام شهر الأربعة كلهم استقروا في "لوس أنجلوس".. تمر الأيام أكتر وأكتر والنهاردة بتبقى "ليندسي" واحدة من أهم عازفي الكمان في العالم.

• مهما كنت عايز حاجة معينة في توقيت معين الفيصل دايمًا نقطتين: الأولى أنت عايز الحاجة الفلانية بإخلاص وهتعمل عشانها مجهود ولا لأ؟.. والتانية لأى درجة هتدعي ربنا بإلحاح إنها تتحقق بدون ما تيأس وبرضه لأى درجة عندك ثقة فيه إنه هيستجيب؟.. سيبك من الظروف، وبُعد مسافات، والحواجز.. ربنا عالم بالتوقيت النسب والأصح لـ الحاجة.. مادام بتسعى وبإخلاص يبقى اقعد اتمزج واتفرج على تدابيره وهو بيسخر الكون بـ ناسه بـ ظروفهم بـ تفاصيل حياتك وحياة ناسك عشان يحقق اللي حلمت بيه.. دايمًا اللي بيحصل هو الكويس، والأصح ليك حتى لو ماشوفتش ده في لحظتها.. مفيش دعاء مفيش بعده جبر.. بيقولوا لو استجاب الله لكل دعواتنا في الأوقات التي نريدها لندمنا على الكثير منها.. عشان كده رد ربنا على دعائنا بيكون حاجة من تلاتة: يا استجابة.. يا استجابة بس مش دلوقت.. يا بديل أفضل من اللي إنت عايزه.. سعيك وعشمك فيه اللي بدون حدود هما طريقك الوحيد لو عايز تطول وتنول.