رئيس التحرير
محمود المملوك

الصراع السياسي في التاربخ الإسلامي (1).. التأسيس الأول للدولة

يتميز الشرق الأوسط بأنه مركز الصراع الديني في كوكب الأرض، وهو المكان الذي انفرد برسالات أغلب الرسل والأنبياء المعروفين، وعجت المنطقة بصراعات البشر المؤيدين والمقاومين لتعاليم السماء المنقولة عبر بشر لهم طبيعة خاصة تم اختيارهم وفق قواعد محددة وضعها الله عز وجل، ومهمتهم كانت طوال الوقت توصيل تعليمات محددة من الله للبشر، وهذه التعليمات تتضمن تنظيمًا لحياتهم وسلوكياتهم، وقد ظلت مهمة النبي هي الدعوة وتوصيل الرسالة طوال التاريخ البشري دون رفع مستوى التحديات إلى بناء نموذج للمدينة الفاضلة تحتذي به البشرية. 

ربما وصل بعض الأنبياء إلى الحكم وعلى رأسهم نموذجان شهيران هما يوسف بن يعقوب الذي أصبح رئيسا لوزراء أكبر دول العالم في زمانه وهي مصر، والثاني هو سليمان بن داوود الذي أصبح أهم وأقوى ملك في تاريخ البشرية بسبب القدرات الخارقة التي منحت له. لكن في الحالتين لم يكن مطلوبا منهما بناء المجتمع النموذج، حتى جاءت بعثة محمد بن عبد الله، ونلاحظ أنه الوحيد من الأنبياء الذي جاء خارج سلالة يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، كذلك نلاحظ أنه الوحيد الذي جاء من سلالة إسماعيل بن إبراهيم التي انحرفت من بعد زمان إسماعيل عن طريق الله حتى وصلت إلى عبادة الأصنام المؤنثة الشهيرة، وأصبحت المنطقة نموذجا للفساد الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، بعد حوالي خمسمائة وخمسين عاما من ميلاد آخر أنبياء بني إسرائيل المعجزة الحية عيسى بن مريم، وبعد أن اعترف العالم الجديد بعد صراع طويل بالديانة المسيحية واعتنقتها القوى الرومانية العظمى في العالم.. جاءت البعثة المحمدية بدايات القرن السابع الميلادي بشكل مختلف تماما عن كل البعثات التي سبقته، فقد كانت الرسالة بناء لنموذج مجتمع فاضل يكون قدوة للبشرية فيما بعد على أساس أنه آخر رسل السماء للأرض، ولا بد أن يترك أثرا واضحا يراه الجميع ويقتدي به.

بدأ إنشاء الدولة الإسلامية رسميا ببداية بعثة محمد بن عبدالله عام 611م.. وقد كان مكان الرسالة وتوقيتها غريبا وغير تقليدي ولم يحدث من قبل في تاريخ الرسالات، ولهذا كان المشهد غريبا في مجمله، رجل يظهر في جزيرة العرب يدعي أنه نبي السماء الأخير، وكان أول من كذبه هم أهله وعشيرته، لأنهم لم يكونوا مجتمعًا متعودًا على ظهور الأنبياء من قبل، كذلك كانوا مجتمعًا مستقرًا على عادات وتقاليد ثابتة منذ استيطان هاجر وإسماعيل وقبائل جرهم في هذا المكان، لذلك نحن أمام مشهد داخلي غريب، يحيط به مشهد عالمي في حالة حراك مستمر، فهناك عدة قوى عالمية ناشئة متمددة.. القوى الساسانية في بلاد فارس والتي تمددت وتشعبت في السنوات الأخيرة. القوى الرومانية الغربية التي حكمت العالم سنوات منذ بداية التأريخ الميلادي. وحتى قبائل العرب كانت قد عبرت عن وجودها حين اتحدت في مواجهة القوى الفارسية واستطاعت هزيمتها في حرب كبرى هي معركة ذي قار عام 609م، بعد أن قتل الشاه السيساني كسرى الثاني ملك الحيرة النعمان بن المنذر، وأرسل في طلب الوديعة من هانئ بن مسعود الشيباني الذي رفض فقامت المواجهة الكبرى التي تعتبر أهم هزيمة للساساسنيين. في عام 610م كانت الدولة البيزنطية تعاني من ترهل وضعف أدى لإطاحة الإمبراطور هرقل بفوقاس واحتلاله عرش روما. استغل الساسانيون الضعف البيزنطي وتمددوا حيث قاموا باحتلال دمشق عام 613 م.. ثم احتلوا القدس بعد حصار  20 يومًا عام  614 م وقاموا بهدم كنيسة القيامة ونقلوا صليب المدائن. ثم قاموا باحتلال مصر عام 618.. في نفس العام انقلب غاوزو على الإمبراطور بانج آخر سلالة "سوي" الحاكمة في الصين وأسس سلالة تانغ الحاكمة التي استمرت ثلاثة قرون... إذا نحن في خضم أحداث عالمية كبرى وتغيرات جذرية في مؤسسات الحكم داخل أهم إمبراطوريات العالم. في تلك الأثناء كانت الدعوة المحمدية تزداد قوة وانتشارا حتى كان الحدث الذي يمثل التحول الأكبر في مسار إنشاء الدولة وهو الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة أو يثرب بعد إجراء تحالف استراتيجي مع أهم القبائل فيها عام 622 م، وهو العام الذي نستطيع أن نؤرخ له على أنه عام تأسيس الدولة الإسلامية الكبرى؛ حيث تحول النبي الكريم إلى قائد عسكري سياسي اجتماعي ثقافي يعمل على وضع قوانين الدولة الجديدة بكل قوة وهمة، وكانت المواجهة العسكرية الأهم بين الدولة الحديثة في المدينة والدولة القديمة في مكة هي الحدث الفاصل في استمرار الدولة الجديدة وهي معركة بدر الكبرى في قيمتها وتأثيرها الممتد حتى اليوم عام  624 م.

ظل الصراع على أوجه بين الروم والفرس، واستمر زحف الساسانيين للسيطرة على العالم حتى تمكنوا من حصار الروم في القسطنطينية عام 626م، لكن هرقل استطاع الالتفاف على الحصار وأجبرهم على التراجع، ثم قام بحشد قواته في حرب مقدسة انتهت بمعركة نينوي التي انتصر فيها على الفرس واستطاع استعادة الصليب المقدس عام 627 م. حدث اغتيال لكسرى الثاني نتيجة لذلك بواسطة ابنه قباد أو شرويه الذي مات سريعا وتولى ابنه الحكم، أقيمت أخيرا معاهدة سلام بين الروم والفرس عام  629 م تم الاتفاق فيها على العودة لحدود 602 م.

 من هذا الاستعراض نجد أن العالم كان يمهد لظهور القوى الكبرى الجديد، فالحروب التي تمت بين أقوى قوتين في العالم شغلتهما وأضعفتهما مما أعطى فرصة حقيقية لتأسيس الدولة الإسلامية واعطاها فرصة لتقوى ويزداد نفوذها. انتشرت الفوضى في الدولة الساسانية بينما استعادت الدولة الرومانية بقيادة هرقل قوتها وسطوتها. وتأسست الدولة الإسلامية وأصبح لها وجود قوي على الأرض خاصة بعد فتح مكة عام 630 وتوحيد معظم العرب تحت راية واحدة. وقد توفي النبي القائد المؤسس عام 632 م بعد أن أدى رسالته الدينية الاجتماعية السياسية الثقافية الكبرى. وأسس دولة حديثة تقوم على المساواة والعدالة والقوة وعدم الاعتداء تقوم بنشر الرسالة الختامية للسماء في كل مكان على كوكب الأرض. 

نحن إذًا أمام شخصية فريدة في التاريخ الإنساني، لم تكن القوة الدينية فقط هي الدافعة له لجمع الناس وتأسيس الدولة.. فكم شاهدنا من كهنة يصلون للحكم!

عاجل