رئيس التحرير
محمود المملوك

الإنسانية إحساس

يكتب القديس يوحنا في رسالته الأولى: "مَن كانت له خيراتُ الدُّنيا، ورأى بأخيه حاجَةً فأغْلَقَ أحشاءَه دونَ أخيه، فكيف تُقيمُ محبَّةُ الله فيه؟" (17:3). يحكي الفنان العظيم شارلي شابلن، أشهر كوميديان في تاريخ السينما، عن خبرةٍ ودرسٍ في طفولته كان لهما بالغ الأثر في حياته، وهذا هو مضمونها: عندما كنتُ صغيرًا ذهبتُ مع والدي لحضور أحد عروض السيرك الممتعة، ثم وقفنا في طابورٍ طويل للحصول على تذاكر الحفل، وكانت أمامنا أسرة مكوّنة من ستة أبناء مع والديهم، وكان يبدو عليهم الفقر، وبالرغم من أن ثيابهم كانت قديمة، إلا أنها كانت نظيفة جدًا، وكان أطفالهم في غاية السعادة وهم يتحدثون عن السيرك. 

وعندما وصلوا لشباك التذاكر، تقدّم الأب ليسأل عن سعر التذاكر، وعندما أخبره الموظف بثمن التكلفة، وقع الأب في حيرةٍ والخجل باديًا على وجهه، ثم أخذ يهمس مع زوجته، وكانت علامات الحرج تظهر عليه. فرأيتُ أبي العزيز يضع يديه في جيبه ليُخرج منه عشرين دولارًا، فألقى بها على الأرض، ثم انحنى والتقطها ووضع يده على كتف الرجل قائلًا له: "لقد سقطت هذه النقود منك". فنظر إليه الرجل المسكين والدموع تملأ عينيه، ثم قال له: "شكرًا جزيلًا يا سيّدي!".

وبعد أن دخلت هذه العائلة لحضور عروض السيرك، شدّني والدي لنخرج من الصف، لأنه لم يكن يملك سوى العشرين دولارًا فقط التي أعطاها للرجل. كم كنتُ فخورًا جدًا بأبي، لأن ذلك المشهد كان أجمل العروض التي شاهدتها في حياتي، وأجمل من عرض السيرك الذي لم أستطع مشاهدته". 

ما أعظم القلب البشري حينما تمسّ الرحمة أوتاره الحساسة، وتعزف عليها! كما أن القلب سيكون ينبوعًا فيّاضًا بالحنان والعطف والإنسانية، ولن تقف أمامه أي عوائق ليعبّر عن سخائه نحو الآخر، خاصة المحتاج والبائس. مما لا شك فيه أن الإحسان لا يمكن حصره في المساعدة المادية فحسب؛ لأن التضحية وهِبَة الذات هما أفضل من المال. 

وإذا بحث كلُّ شخصٍ منّا في محيطه، سيجد حوله نفوسًا بائسة كثيرة، تحتاج إلى ابتسامة أو دمعة أو كلمة طيبة أو تشجيع، كما أننا يجب أن ندرك جيداً أن الحسنة أو الصدقة التي نقدّمها للمحتاج، ليست سخاء نفسٍ ومنّة، بل هي واجب مقدس، ودَين في أعناقنا، نوفيه لصاحبه مقدّمين له الشكر ومعتذرين عن تأخرنا ومماطلتنا نحوه. 

كما أن المحتاج الذي يقف على قارعة الطريق، ينتظر منّا كلمة طيبة تدخل قلبه لتداويه وتخفف من آلامه، أكثر من قطعة النقود التي نضعها في يده. ويحتاج لنظرة حنان تداوي نفسه الكسيرة، ويسعد بابتسامة تجعله يشعر أنه أخٌ لنا؛ لأن الصدقة الحقّة هي محبة المحتاجين واحترامهم، وتضحية ذاتنا من أجلهم، وإدخال المسّرة في قلوبهم. 

كم من الشباع الذين يأكلون حتى التخمة، ويموتون من كثرة الطعام، في حين أن هناك الملايين حول العالم يموتون جوعًا؟! وكم من المسرفين في المآدب والحفلات، يلقون فضلات الطعام أكثر مما يأكلون منه، في حين أن هناك الملايين الذين يتمنون حتى ولو كسرة خبز لسد جوعهم؟! وكم هؤلاء الذين ينفقون على اللهو والتفاهات، دون حاجةٍ أو فائدة، في حين أن هناك الملايين من البؤساء الذين لا يجدون ثمن دواء يخفف آلامهم وأوجاعهم؟! 

نحن نجد ما ننفقه في سبيل اللهو، وشراء ما لذّ لنا وطاب، فهل تذكّرنا يومًا الأطفال الفقراء الذين يسيرون حُفاة الأقدام، مرتدين ثيابًا بالية، ومن المحتمل أن يكونون مرضى ولا يجدون ثمن الدواء، وجياع يشتهون ما نلقيه من فضلات؟! وكما يقول المَثَل: "ليس الفقير مَنْ يملك قليلًا؛ لكن الفقير هو مَنْ يحتاج كثيرًا"، فالصدقة لا تُفقر مهما زادت، بل البخل على الفقير هو الذي يُفقِر. 

مما لا شك فيه أنه لا توجد رذيلة في الإنسان أسوأ من البخل، لا سيما على سعةٍ وغنى، لأن البُخل على الغير يستجلب كره الناس ونقمة السماء، والبُخل على النفس يفسد لذة الحياة وراحة الضمير. ليس هناك فضيلة تمسُّ قلب الله فيهتز فرحًا وغبطة، مثل الرحمة التي نمارسها مع البائس والمحتاج، لأن الرحمة هي من صفات الله في معاملته لخلائقه. 

ومن المستحيل أن ينسى الله كل ما نفعله مع الفقير والمحتاج، وليس من عادة الله وهو الجود بالذات، أن يترك بلا مكافأة، ما نعمله في سبيل الفقراء. ونختم بالقول المأثور: "كنتُ أبحث عن الله فما وجدته، عانقت فقيرًا فوجدت الله".