رئيس التحرير
محمود المملوك

تين أم شوك؟ 

بعد الإعلان عن ترقية أحد أعضاء هيئة التدريس بكلية العلوم جامعة الإسكندرية إلى درجة مدرس، أثارت التعليقات الغاضبة عبر الصفحة الرسمية للكلية انتباه رواد السوشيال ميديا، في سابقة تعد الأولى من نوعها، حيث وصل التفاعل حتى الآن إلى 234 ألف إيموشن أغلبه «أغضبني» و40 ألف تعليق و22 ألف مشاركة، وبناءً عليه قررت الجامعة فتح تحقيق للوقوف على مدى صحة ما جاء في تلك التعليقات، وما إذا كان الغرض منها الإساءة لعضو هيئة التدريس.
ونحن هنا لسنا بصدد تقييم الأستاذ أو التعليقات، طالما يتم متابعة الأمر من قبل المسئولين، ولكن هذه الحادثة تذكر  كل شخص منا أن له حكاية مع أستاذ في إحدى مراحل حياته التعليمية، أستاذ دعمه وشجعه فتأثر به وأحبه وكانت له بصمة واضحة أو بالعكس استخدم سلطته دون وجه حق للضغط عليه فنفر منه وفشله.
فمما لا شك فيه أن الطلاب يتأثرون ليس فقط بالمحتوى العلمي بل أيضًا بطريقة توصيل الأستاذ له وكذلك طريقة تواصله معهم؛ لذا تمر الأيام الكثيرة وتظل ذكرى مواقف الأستاذ باقية بالإيجاب أو السلب. 
 
فالطالب ليس مجرد متلقٍ سلبي جالس في صفوف العلم، لكنه يحلل ويقيم ويميز المستوى العلمي الذي يقدم له، وكذلك طبيعة الصفات التي يسعى الأستاذ لزرعها فيه، ويقدر محاولات الأستاذ وسعيه لفائدته حتى لو ضغط عليه، وكذا يلاحظ طريقة تعامله مع زملائه من الأساتذة، وكلامه عليهم.

إنها عملية تشبه الزرع والحصاد، من يزرع تينًا ومن يزرع شوكًا، وكلاهما سيحصد في وقته، زارع التين سيتمتع بحلاوته، فما أجمل أن يعترف طالب بفضل أستاذه عليه، وما أروع أن يلقاه بعد سنوات طويلة متذكرًا ما فعله، والأهم ما يقال عنه في غيابه من سمعة طيبة.
 وهناك من يزرع الشوك أيضًا، فلا يكترث بتقديم محتوى قيم، ولا يعبأ بطلابه بل ربما يخيفهم أو يجبرهم أو يتحكم بهم مستغلًا منصبه، هو أيضًا سيحصد في وقته، سيحصد وخزات شوك مؤذية، فالصيت خير من الغنى، لأن رأس مال الأستاذ هو محبة تلاميذه، وعرفانهم بفضله عليهم، إذا تجرد الأستاذ من محبة تلاميذه، فقد ضلعًا مهمًا في رسالته.

ما يدوم هو ما زرعه الأستاذ، والتقييم يرجع للوقت، ربما يخاف الطلاب أحدهم فينافقوه، ويلتفوا حوله مكرهين حتى لا يؤذيهم، ولكن ماذا سيفعلون بعد أن يخرجوا من تحت يده؟ ماذا إذا لاقوه يومًا؟ هل يشكروه أم سيمضون في طريقهم غير عابئين به؟ وبماذا سيذكرونه؟ 
أذكر يومًا تواصل معي طالب سعودي بعد تخرجه بأعوام في إحدى الجامعات الخاصة بالقاهرة، ذهب يأخذ دورات تدريبية بأمريكا، وبينما يدرس أخذ بعض المواد العلمية التي ذكرتها بمحاضراتي فتواصل معي فقط ليشكرني على ما علمته إياه، وأذكر طلاب تخرجوا منذ سنوات ولكنهم حريصون على التهنئة في كل مناسبة، في أحد الأيام كنت أسير بين أروقة ماسبيرو، فإذا بي أجد سيدة متألقة قادمة نحوي بابتسامة عريضة، أخذ الأمر مني وهلة لاستيعاب الموقف، كانت إحدى طالباتي وهي مذيعة أخبار مميزة، وطلاب وطلاب، هم مزيج من ذكريات حلوة في رحلة العطاء. 
سيبقى ما زرعه الأستاذ فيهم، حلاوة التين أو وخز الأشواك، فلا أحد غافل عن التصرفات الصحيحة ولا أحد غافل عن الحماقات أيضًا. 
واتفق تمامًا مع ما ذكرته زميلتي العزيزة الدكتورة آلاء فوزي، مدرس العلاقات العامة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، عبر صفحتها الشخصية في فيسبوك: «أكتر الدكاترة اللي كنا بنحبهم وإحنا طلبة كانوا بيشدوا علينا وقت اللزوم ويعرفونا غلطنا بس كانوا بيعاملونا بإنسانية ورقي وكنا بنحس بحبهم ونفهم اهتمامهم.. الحب والتقدير بيكون للأستاذ، الإنسان الكريم اللي بينقل معارفه وخبراته للطلبة، وبيحترمهم، ويقدر تعبهم، ويحاسبهم لما يقصروا عشان خايف عليهم وعايزهم ينجحوا". 

"لازم يتعمل اختبار نفسي للأستاذ الجامعي والمعلم قبل ممارسة المهنة، مش معقول نطلع أجيال مشوهة نفسيًا ونتعب أعصاب الطلبة وأهاليهم عشان خاطر واحد ذاكر واجتهد بهدف إنه يوصل لمنصب يتسلط بيه على الناس، مع العلم إني مش بقيم الأستاذ الزميل صاحب الواقعة، والمسئول عن محاسبته هو جامعته بعد انتهاء التحقيق مش إحنا".