رئيس التحرير
محمود المملوك

"ألف حلقة وصل"

• من حوالي 4 سنين كان فيه فيديو إعلاني قصير مدته ماتزيدش عن 20 ثانية عملته شركة مساحيق غسيل مشهورة في الصين.. في الإعلان بتظهر بنت آسيوية ملامحها جميلة وهي بتحط خطيبها الشاب الأسمر في غسالة الملابس وبتحط فوقه مسحوق الغسيل السحري اللي بتعلن عنه وبتقفل باب الغسالة وبتضغط على زرار التشغيل وكلها لحظات وبيخرج خطيبها من الغسالة شخص أوروبي مختلف تمامًا لون بشرته أبيض وعيونه ملونين!.. خلال 72 ساعة بس انتشر الإعلان وعمل دوي ضخم في المجتمع الصيني والعالمي وعاصفة من الانتقادات اللي كانت رافضة فكرة الإعلان وشايفينه بدون مبالغة الأكتر عنصرية في العالم!.. في الطبيعي وكده كده المجتمع الصيني حاجة مالهاش علاقة بالعالم اللي حواليها فيما يتعلق بأى شؤون داخلية بتحصل على أرضها بس في الموقف ده بالذات ومع حجم الضغط الشعبي العالمي اللي حصل كان لازم يكون فيه حل!.. الشركة قدمت إعتذار علني لكل المشاهدين اللي ضايقهم الإعلان، والحكومة الصينية نفسها عاقبت الشركة بغرامة 5 مليون دولار، وتم إذاعة الخبر في كل القنوات والصحف والتهمة كانت من سطر واحد وجديدة وأول مرة يتم إستخدامها أساساً!.. "عنصرية وعدم احترام اختلاف الغير".


• في أثناء فترة دراستي في المرحلة الابتدائية كنت في واحدة من المدارس الخاصة في الصعيد.. مدرسة ليها اسمها وقيمتها، والنظام التعليمي الاحترافي اللي فيها كان بيخليها هى الرغبة الأولى لأى أب أو أم عايزين ولادهم يتأسسوا دراسياً صح، ويمكن عشان كده كنت في أوقات كتير بتحتاج تمر بإختبارات كتيرة عشان ابنك أو بنتك يتقبلوا فيها.. آه دلوقتي بقى ده هو السائد في معظم إن ماكنش معظم المدارس الخاصة بس أنا بتكلم عن وضع كان وقتها جديد جداً!.. ميزة المدرسة إن كل الطلبة اللي بيكونوا فيها بيطلعوا مع بعض من صف لـ صف.. بالتالي بيبقى فيه ود وأخوة حقيقية بين كل الطلبة، وأهاليهم يعرفوا بعض!.. لما صاحبنا "روماني" والده ووالدته اتوفوا نتيجة حادثة عربية كان الخبر صادم لينا كلنا.. وأكيد له هو أكتر.. بعد شهور من اللخبطة والتوهة رجع "روماني" بالضغط إندمج معانا تاني.. إندماج منقوص مرتبط باللي غابوا غصب عنه وأخدوا معاهم حتة من روحه.. آه كنا بنحاول كـ عيال إننا نخليه يلعب ويهزر ويلعب معانا مزيكا في حصة الموسيقى أو يمثل في حصة المسرح بس هو كان بيرفض فبنضطر نسيبه براحته.. الغريب إن فيه إتنين بالذات من زمايلنا كانوا بيتعمدوا يضايقوا "روماني".. عارف أنت النفر ولا النفرين اللي بيكونوا مصدر الغلاسة والغتاتة في فصل كل واحد فينا زمان؟.. هما دول.. الهزار الرذل.. التريقة على لبسه.. المقالب اللي دمها تقيل ومايستحملهاش الكبار حتى.. ولما كان بيقابل كل اللي بيعملوه معاه بـ توهة ولا مبالاة كان بيسمع منهم جملة سخيفة!.. "يالا ياللي أبوك وأمك ميتين!.. إيه الهبل ده!.. متفهمش العنصرية وقلة الأدب دي لعيال في خامسة إبتدائي جابوها منين وإزاي!.. بسبب مرتين تلاتة اتقال له فيهم الجملة دي من العيلين دول "روماني" بقى محتاج علاج نفسي!.. تخيل كلمتين دمهم تقيل رماهم بمنتهى الجهل طفلين المفروض إنهم ولاد ناس يعني بس غيروا حياة طفل زميلهم ودخلوها في سكة المرض النفسي اللي وفاة أبوه وأمه ماعملهوش فيه!.. انقطع "روماني" عن الدراسة وقرر خاله يخليه يدرس ويتعلم من البيت، والطفلين زمايلنا حصل ضدهم إجراء من المدرسة بالفصل لمدة أسبوع ده غير حالة النفور اللي كانت مننا كلنا ناحيتهم بس للأسف كانت إجراءات بعد ما اللي حصل حصل.. مرت الأيام وبعدها السنين وبعدها سنين أكتر وعرفت في الحفلة اللي تم دعوتنا ليها في المدرسة بعد ما كل واحد فينا بقاله حياته الخاصة واشتغلنا؛ إن "روماني نشأت مترى" خلص الدكتوراة بتاعته من جامعة "هارفارد" وبقى أستاذ هناك، وده من الأخبار العظيمة اللي وقعها كان عظيم جداً عليا.

 

• في 2016 وأثناء واحدة من زياراته لـ مصر من أمريكا صديق عمري "أحمد" وهو في الطيارة جاى على مصر كان راكب في طيران شركة عربية مشهورة.. رحلة طويلة وشاقة أخدت حوالي 12 ساعة على مرتين!.. وهما طايرين حسب إحداثيات الوقت بالنسبة للمكان اللي هما فوقه وبالتقريب كده بقى متاكد إن دلوقتي جه وقت صلاة العصر.. ضغط على زرار إستدعاء المضيف وجاله شاب عربي لطيف بيشتغل مضيف على الرحلة.. "أحمد" بلغه إنه عايز يصلي في أى ركن من أركان الطيارة.. الشاب إرتبك وكان واضح إن طلب "أحمد" غريب عليه أو إنه معندوش تعليمات محددة يرد بيها على الطلب ده.. بعد لحظات من التوتر المضيف قال لـ "أحمد": (أنا آسف مش هينفع تقف وتصلي؛ تقدر تصلي مكانك وأنت قاعد على الكرسي).. الشاب قالها وعينه فيها نظرات شك وريبة لـصديقي!.. وقد كان، واضطر "أحمد" يصلي وهو قاعد.. لما وصل مصر حكالي  عن أسفه وضيقه من تصرف الشاب المضيف، ودخلنا أنا وهو في نقاش طويل  بحاول أثبت له من خلاله إن الراجل أكيد معذور وإن ممكن رفضه ده يكون من التدابير الأمنية المفروضة عليه، وبعدين أنت معاك رخصة إنك تصلي وأنت قاعد عادي يعني!.. المهم إنه قضى إجازته، ورجع مرة تانية لـ أمريكا، لكن المرة دي ركب في واحدة من رحلات شركة "لوفتهانزا" الألمانية في رحلة العودة.. تكرر المشهد اللي فات نفسه بالتفصيل، بإستثناء إنه لما استدعى المضيفة الألمانية، وطلب منها إنه عايز يصلي استأذنته إنها تستشير كابتن الطيارة..  فعلاً رجعت وقالتله اتفضل لمكان قريب من كابينة القيادة ولقاها مجهزاله بطانية نضيفة وفرشاها على الأرض عشان يصلي فوقها بدل ما يصلي على الأرض مباشرة!.. "أحمد" كان متحفز ومشحون ومجهز نفسه لمناقشة طويلة عريضة معاها لو كانت رفضت طلبه أصل إذا كان ده حصل من واحد عربي وأكيد فاهم أهمية الصلاة بالنسبة لواحد عربي زيه طب الأجنبية هتعمل إيه!؛ لكن فوجيء بكمية اللُطف والذوق اللي شافهم منها واللي أكدوله إن الناس مش زى بعضها وإنك مش بالضرورة هتقابل من أى أجنبي عنصرية ورفض في المطلق!. 

 

•أنا مؤمن إن اللي بيجمع الناس أكتر من اللي بيفرقهم.. المختلف عنك في تفصيلة؛ متفق معاك في تفاصيل.. النقاط المشتركة أكتر من المتعارضة.. بتفضل الفكرة بس إن معظم الناس يبقوا هما كمان فاهمين ده كويس، وإن خلافهم مش معناه خناقهم!.. عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: "إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ" رواه مسلم.. من البداية، والاختلاف بين الناس هو سنة الحياة.. الاختلاف في الشكل، واللون، والطباع، والنوع، والثقافة.. البشر زي قطع البازل مش متناسقة ولا متشابهة لكن بتكمل بعض، وبيفضل الفيصل دايماً في الحكم على الناس ومهما كانوا مختلفين؛ هي أفعالهم، واللي شايلاه قلوبهم.