رئيس التحرير
محمود المملوك

فَصل الخطاب فيمن أفطر عامدًا بالطعام أو الشراب

بعض الناس يفطرون في رمضان بعض أيام، وبعضهم يفطر الشهر كاملا، وهؤلاء بعضهم غير آثم بفطره؛ حيث إنه ممن يحرم عليه الصوم: كالحائض والنفساء والمريض مرضا شديدا يعرضه الصوم لهلاك محقق أو يعرضه لمخاطر صحية كبيرة، وكذا كبار السن الذين لا يطيقونه ويوقع الصوم ضرا محققا على صحتهم، حيث يلزم هؤلاء جميعا الفطر حفاظا على حياتهم ، وذلك لقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، ولقوله تعالى: {..وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، والبعض الآخر صاحب عذر: كالمسافر والمرأة الحامل التي تزيد المشقة عليها بسبب الصوم، وتخاف خوفا غير مؤكد على جنينها، والمرضع التي تخشى -دون تيقن- نقصان لبنها عن حاجة طفلها، والمريض مرضا تزيد آلامه بالصوم دون مخاطر على حياته، فلهؤلاء الصوم ولهم الإفطار دون حرج وذلك لقوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر...}، ومن هؤلاء من يفطر في رمضان معتديا آثما بلا عذر لضعف وازعه الديني ،وبعده عن طريق الحق وهدي الشرع.
وهؤلاء الذين يفطرون في رمضان منهم: من لا يستطيع قضاء أيام بدلا عن التي أفطرها قبل نهاية شعبان المقبل، كالشيخ الطاعن في السن، والمريض مرضا مزمنا لا يناسبه الصوم ولا يزول مرضه كمرضى بعض أنواع السكر والكلى، وهؤلاء يلزمهم الفدية وهي إطعام مسكين مقدار وجبتين لإفطار وسحور، ويختلفان باختلاف حال الأسرة من الغنى والفقر، وحدها الأدنى في حدود العشرين جنيها.
وإن كان المفطر يستطيع القضاء ولو متفرقا في العام كله، كالمريض الذي شفاه الله، والحائض والنفساء التي مات وليدها أو كانت بصحة لا يؤثر الصوم على لبنها أو كانت لا تُرضع أصلا، وكالمسافر الذي أقام، فلا يقبل من هؤلاء إلا القضاء صوما بعدد الأيام التي أفطرها وقت العذر، ولا يقبل من هؤلاء فدية الإطعام كما يظن البعض ،فإن الأصل هو القضاء صوما، لقول – تعالى- { ..فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر.. } فمن عجز عنه عجزا حقيقيا انتقل للبدل وهو الإطعام.
وهذه الأحكام معلومة للجميع ،كما أن الجميع يعلم أن المفطر بالجماع عمدا في نهار رمضان يلزمه القضاء وهو صيام يوم عن اليوم الذي أفسده بالجماع، والكفارة وهي صوم شهرين متواصلين بعده ،لا يفصل بين أيام صومه ولو بيوم واحد، مالم يكن صادف يوما يحرم صيامه كيوم عيد، أو داهم المرأة حيض أو نفاس، حيث لا يضر الفصل بالأيام التي يحرم صومها ودليل ذلك ما جاء في صحيح الإمام مسلم : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: هَلَكْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا» قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».
وهذا أيضا معلوم للناس ولا مشكلة فيه، لكن جدلا يثيره بعض الناس فيمن أفسد صومه عمدا بالطعام والشراب، حيث يردد البعض أن الواجب عليه هو القضاء مثل ما أفطر فقط، بينما يرى البعض الآخر أن المفطر عمدا بالطعام أو الشراب كالمفطر بالجماع عليه القضاء والكفارة، وليست المشكلة في الأخذ بأي من الرأيين، فكل إنسان حر فيما يقلد طالما ينتمي الرأي إلى مدرسة فقهية معتبرة، والوارد عن الفقهاء المعتبرين يتسع للرأيين، ولكن المشكلة في هذا السجال الدائر بين رواد مواقع التواصل فيما يشبه المعركة، حيث يحاول كل فريق إظهار أن رأيه هو الصواب دون الرأي الآخر، لذا لزم توضيح المسألة:
حيث اتفق الفقهاء على أن المفطر عمدا بالجماع عليه القضاء والكفارة كما ظهر من الحديث السابق فهو نص في الموضوع، بينما اختلفوا في المفطر بتناول الطعام أو الشراب لغير عذر، حيث يرى الحنفية والمالكية :أنه كالمفطر بالجماع فيكون عليه القضاء والكفارة معا، والجامع هو تعمد إفساد الصيام بما حرم على الصائمين في نهار رمضان، بينما يرى الشافعية والحنابلة :أن عليه القضاء فيصوم بعدد الأيام التي أفطر فيها ولا كفارة عليه، حيث إن الكفارة عقوبة ،ولا يقال في العقوبات بالرأي ولكن يقتصر على النص ،ولا نص في المفطر بالطعام أو الشراب يلزمه بالكفارة، فيكتفى بالقضاء لإفساد الصيام.
ومع ميلي للتيسير على الناس ،ومع إقراري بأن المقلد لمذهب فقهي لا يُلام على تقليده وأخذه برأيه في المسألة ،ألا أنني أرى أنه في هذه المسالة ليس مطلوبا التيسير ،لما قد يترتب عليه من استهانة بالصيام والإقدام على إفساده لأتفه الأسباب طالما أن الواجب هو القضاء فقط، ولأنه إذا كان الفقهاء قد أجمعوا على أن من أفسد صومه بالجماع عليه القضاء والكفارة، فينبغي أن يكون المفسد لصومه بالطعام أو الشراب عمدا ؛أولى بالكفارة ممن أفسد صومه بالجماع، فمن المعلوم أن شهوة الجنس أقوى من شهوة الطعام والشراب، ومعلوم أن قوة العارض وصعوبة الصبر عليه له تأثير على العقوبة في الشريعة، ولذا فإن عقوبة الشاب غير المحصن على ارتكاب جريمة الزنا أخف على من ارتكب نفس الجريمة من المتزوجين ،حيث يسهل صبر المتزوج عن صبر غير المتزوج ،ولذا كانت عقوبة غير المتزوج الجلد بينما عقوبة المتزوج الرجم حتى الموت، وإذا كان ما يصعب الصبر عليه وهو غلبة شهوة الجنس ،لم يخفف عن الفاعل فوجبت عليه الكفارة مع القضاء، فلا يعقل إسقاطها تخفيفا على من انتهك حرمة الصيام فأفسده بما يسهل الصبر عليه وهو الطعام والشراب ،أما القول بعدم وجوب الكفارة إلا بنص ولا نص في المفطر بالطعام أو الشراب، فهو ضعيف ،لأن النص موجود وهو الحديث السابق الذي ذكر حالة من حالات التعمد وهو الجماع، ولا دليل فيه على أن الحكم خاص بهذه الحالة دون سواها من حالات التعمد، ولو استقام هذا الاستدلال لجاز لقائل أن يقول: المفطر عمدا بالطعام أو الشراب لا يلزمه حتى القضاء، حيث لا نص في المفطر عمدا بالطعام أو الشراب يلزمه بالقضاء، وهذا لا يقول به عاقل، فالإجماع قائم على أن المفطر بالطعام أو الشراب يلزمه القضاء، وإنما الخلاف في وجوب الكفارة، ووجوب القضاء على المفطر عمدا دليله المعقول ،وهو القياس على من أفطر لعذر ،حيث ورد النص بوجوب القضاء على المفطر لعذر فلأن يجب على المفطر عمدا أولى ،وإذا جاز الاعتماد على الرأي في وجوب القضاء على من أفطر عمدا بالطعام أو الشراب ؛فينبغي القول بجواز الاعتماد عليه في وجوب الكفارة ،وطريق وجوب الكفارة كما سبقت الإشارة ثابت بالنص الوارد في الجماع حيث منه يتبين حكم بقية حالات التعمد، فإن لم يرق للبعض هذا التأويل ،فتكون الكفارة  على المفطر عمدا بالطعام والشراب واجبة بالقياس الأعلى من أفسد صومه بالجماع بجامع تعمد إفساد الصوم في كل، فلا تتذرعوا بالتيسير إذا كان يفضي إلى التجرؤ على حرمة الصيام، ويشجع على انتهاك حرمة الصوم، وهو حاصل بالقول بأن مفسد الصوم بالطعام أو الشراب ليس عليه إلا القضاء، ولذا أقول مطمئنا أن مفسد صومه بالطعام أو الشراب عليه القضاء والكفارة كمن أفسده بالجماع.