رئيس التحرير
محمود المملوك

حكاية القنوات الدينية

 

يفرض ملف الفضائيات الدينية العربية نفسه على الواقع الإعلامي في المنطقة العربية، بعد أن تحولت تلك القنوات إلى ساحة لصراعاتٍ مذهبية وطائفية ومنصة للتحريض على التعصب والكراهية الدينية ضد المخالفين في العقيدة أو حتى الرأي، الأمر الذي يستدعي قراءة دقيقة لتلك القنوات، من حيث الفكر والتوجه، وطبيعة التمويل، وسبل إصلاح المسار.

بتتبع الأرقام التي تصدرها بعض الهيئات الإعلامية الرسمية، نلاحظ أنه حدث تطور نوعي في عدد القنوات الدينية بين عام 2010 وعام 2015، حيث انتقل عددها من 54 قناة إلى 95 قناة، تعود النسبة الأكبر (86) للقطاع الخاص، في حين لا يملك القطاع العام سوى (9). ولعل في هذا المؤشر ما ينبئ بالبحث عن الربح السهل والسريع من طرف الخواص، وأيضـًا تحدثنا هذه الأرقام عن واقع آخر أهم وهو بداية نهاية احتكار الحقل الديني من طرف الدول. فكون (86 قناة) مملوكة للخواص يعني أنها تشتغل في إطار أجندتها الخاصة .

وتفيد دراسة صدرت عام 2014 بأن عدد القنوات الفضائية الدينية يبلغ 123 قناة على الأقل من أصل نحو 1300 في العالم العربي، يعمل فيها آلاف الموظفين وأغلبهم دون خبرة شرعية أو تأهيل ديني كافٍ لكي تكون بديلًا عن المؤسسات الدينية الرسمية. ومما يسترعي الانتباه عدم نجاعة الزيادة في هذه النوعية من القنوات، وإنما يأتي ذلك بأثر عكسي.

في البدء تبرز مشكلة في تحديد المقصود بالقنوات الدينية، هل هي القنوات التي يقول أصحابها إنها دينية؟ أم أنها التي تكون جميع برامجها دينية؟ أم هي التي معظم برامجها دينية؟ أم هي التي تظهر فيها المحجبات؟ أم التي تخلو من المرأة؟ أم أنها القنوات التي لا تستخدم الموسيقى؟ أم أنها القنوات التي توجد على رسيفر الفلك أو الأسرة أو المدار؟ أم أنها التي تنتهج نهج السنة والجماعة؟ أم أنها القنوات التبشيرية في حالة القنوات المسيحية مثلًا؟ 

لا يمكن إنكار وجود عدد قليل من القنوات الدينية، تقدم برامج هادفة، أعادت رجال الدين والعلم والفقه للساحة الإعلامية وأبرزت آراءهم في كثير من القضايا المعاصرة. ومنها قنوات دينية عامة، ومنها قنوات متخصصة في القرآن أو الحديث أو للأطفال أو في الأناشيد أو في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم. في المقابل توجد قنوات تهتم بالعلاج بالقرآن الكريم، والرقية من السحر والعين والمس، والطب النبوي، والأعشاب. وبعض هذه القنوات على أهميتها القصوى -ودون أن نقلل من دورها- لا نستطيع أن نعد عملها هذا (إعلامـًا) بالمفهوم العلمي وأنها تحتوي على الإعلام الصانع للرأي العام. بعض القنوات تتوقف عند الخيارات السهلة والمباشرة والبرامج الحوارية السطحية، أو التسجيلية أو المحاضرات التي يعتبرها البعض مملة، وحتى المحاضرات التي تحاول جذب الناس بحركات وتصرفات وكلمات وأقوال متخمة بالتصنع الظاهر. 

تم في السنوات الأخيرة عمل حصر بالقنوات الناطقة باللغة العربية، والتي تمثل البرامج الدينية القاسم الأعظم من مضمون تلك القنوات، فكانت كالآتي: بن عثيمين، الأثر، أخبار اليوم، أزهري، الأسرة، الإسلام اليوم، اقرأ، أوتار، أوطان، أول الطريق، الإيمان، بداية، بداية النسائية، البدر، بيوت مطمئنة، التواصل، الحقيقة، الحكمة، حياتنا، دليل، ديوان العرب الراية، الرسالة، روائع السنة النبوية (السعودية) السيوف (قرآن كريم)، شاعر الرسول، ريحانة، زايد للقرآن الكريم، شدا، شفاء، الصحة والجمال، صفا، صوفية، الصوفية، الطب النبوي، طيبة، العفاسي، العفاسي2، الفجر، فور شباب، الفيحاء، كيف، القدس، القرآن الكريم (للأطفال) القرآن الكريم (الجزائر)، القرآن الكريم (السعودية)، القوس، المعالي، مكة، المنبر، مسك، نسائم الرحمة، نور الخليجية، نور دبي، الهداية، وصال، ياسين، آيات... إلخ. 

وهذه القائمة تتغير بين عشية وضحاها، حيث تظهر قنوات جديدة وتختفي أخرى، وتتراجع قنوات عن التزامها بالمنهج الديني.، كما تم إغلاق بعضها بسبب مخالفتها شروط التراخيص وبثها لدعاوى الفتنة المذهبية والتحريض الديني، مثل مجموعة قنوات الناس، والخليجية، والحافظ، والصحة والجمال، والبدر، وعدد من الفضائيات السلفية التي تم إغلاقها في مصر خلال السنوات الأخيرة.

نشير هنا إلى أنه صدر عن اجتماع وزراء الإعلام العرب في فبراير 2008 وثيقة -تحفظت عليها دولة قطر- سميت بمبادئ تنظيم البث الفضائي الإذاعي والتليفزيوني في المنطقة العربية. نصت الوثيقة ضمن ما فيها على ما يلي:

- عدم التأثير سلبيـًا على السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية والنظام العام والآداب العامة.

-التقيد بضوابط ونصوص ميثاق الشرف الإعلامي العربي.

-الالتزام بمبدأ حرية التعبير بوصفها ركيزة من ركائز العمل الإعلامي.

-الامتناع عن التحريض على الكراهية أو التمييز القائم على أساس الأصل العرقي أو اللون أو الجنس أو الدين.

-الامتناع عن بث ما يؤدي إلى التحريض على العنف والإرهاب.

-الامتناع عن بث وبرمجة المواد التي تحتوي على مشاهد فاضحة أو حوارات إباحية أو جنسية صريحة.

عاجل