رئيس التحرير
محمود المملوك

الإنسان يموت 100 مرة

اختص الله تعالى لنفسه بسر الموت، فجعل لكل إنسان أجلًا لا يعود بعده لممارسة حياته كما كان في الحياة الدنيا، فيذهب ويذهب ريحه، ولا يترك بعده إلا إرثًا حدد الله تعالى صفاته فأصبح معروفًا للجميع، فينا من يعمل تاركًا ذلك الإرث، ومن لا يبالي كثيرًا بترك ما يُذكر الناسَ به.

ولقد لخص الأطباء الموت في أنه يبدأ عندما تتوقف عضلة القلب عن ضخ الدماء إلى أجهزة الجسم، ووقتها تنفجر جميع عمليات الحياة، لعدم وصول الدم إلى المخ وبقية الأجهزة الحيوية في الجسد، ويصبح الإنسان بلا حياة أو حراك، وهذا هو الوقت الذي يستغله الأطباء لمنحنا وقتًا للموت.

ولكن ما لم يعرفه الكثيرون، أن الإنسان يموت مئات المرات وليس مرة واحدة فقط عندما يواري فيها جسده الثرى، فهو يموت في نظر نفسه عندما يكذب، ويموت مرة أخرى عندما يخدع، وثالثة حينما يظلم، ورابعة عندما يكون سيئًا، وأخرى حين يخسر نفسه أمام الجميع، وأخيرة حينما يفقد نفسه الآدمية وصفات فطرة الله تعالى.

فكل شخص لديه من الصفات ما يمكن أن تجعله يموت آلاف المرات وليس مرة واحد، كما أن هناك أشخاصًا من "الزومبي" فهم أموات في كل مواقف حياتهم، ولا يتعظون من بعضها حتى يعدلوا عما يفعلون، ولكن يصرون على التوقيع يوميًّا في شهادة وفاتهم الإنسانية.

وفي بعض الأحيان نجد شخصًا تخصص في قتل نفسه، فلا يهمه من أمر غيره شيء سوى تحقيق مكاسب اعتبرها فوزًا في الدنيا، غير مُبالٍ بمن حوله، فالخائن لصديقه يموت في نظره، والعاق لوالديه يموت في نظر الأسرة كلها، كما أن اللص تحركه دوافع غير إنسانية.

ومن الممكن أن يكون الموت في داخله حياة، إذا استطاع الشخص تغيير نفسه عقب موته في الدنيا بموقف ما، فالموت يحدث في داخلنا كل لحظة حتى ونحنُ أحياء، فنحن نموت معنويًّا وكذلك نموت ماديًّا، ونموت أدبيًّا وإنسانيًّا في كل لحظة، حتى الأفكار والعواطف تموت إذا خرجت بصورة سلبية لا تفيد.

ويختلف مفهوم الموت الإنساني عند بعض الأشخاص، فهناك من يستطيع إخراج نفسه من قبر الحياة، يستطيع أن يغير جلده للأفضل فكلنا راحلون عن الدنيا، ولا يتبقى لنا سوى السيرة الطيبة العطرة، الأعمال الصالحة، الذكرى الباقية بحسن الذكر.

وفيما أشار الدين الإسلامي إلى أن ملك الموت موكَّل بقبض الأرواح، وله أعوان، فلا يصعب حينئذٍ تصور قبضه لأرواح متعددة في زمن واحد بواسطة أولئك الأعوان من الملائكة، وكذلك كل ميتة إنسانية يمر به الشخص تسجل لآدمي مثله يظل متذكرها ولا يغفو عنها حتى مع مرور الوقت.

وفيما وضح أحد الأطباء الكبار أن الأشخاص الذين مروا بتجربة تحاكي الاقتراب من الموت، يصفون أحيانا مواجهات مع أقاربهم المتوفين، ولكنه يصر على أن الإحساس هذا ليس دليلًا على الحياة الآخرة.

مواد متعلقة