رئيس التحرير
محمود المملوك

الصراع السياسي في التاريخ الإسلامي (2).. التأسيس الثاني للدولة الإسلامية "الخلافة الراشدة"

يزخر التاريخ بالدروس المستفادة من قصص صعود وهبوط الدول، في البداية يكون دائما هناك قائد قوي متميز له مواصفات عقلية وجسدية خاصة، وتخدمه ظروف سياسية واجتماعية معينة حتى يصل إلى سدة الحكم، بعدها يتمكن بواسطة قدراته الخاصة من تأسيس دولة قوية اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا. وغالبا يمتلك كاريزما خاصة تجعل له قبولًا لدى الأغلبية العامة والخاصة، بعد اختفاء ذلك القائد القوي من المشهد، يظهر تحد من نوع آخر. هل يستطيع الكيان الذي أسسه أن يصمد ويستمر؟ هل تتمكن الدولة الوليدة من مقاومة الصراعات المحيطة بها؟ وإذا حدث واستمرت، كم من الزمن ستستطيع المضي قدما؟ من هذه النقطة بالتحديد ندخل إلى التأسيس الثاني المهم للدولة الإسلامية.

 توفي النبي القائد والمؤسس دون أن يحدد خليفة أو نظامًا واضحًا للحكم، كأنه أرادها دولة ديمقراطية حديثة لا توريث فيها ولا وساطة، والحكم بالانتخابات المباشرة ليختار غالبية الناس الشخصية المؤهلة للقيادة، وهو ما حدث بالفعل عندما اجتمع ما يمكن أن نسميه مجلس الشعب أو مجلس الأمة بتمثيل شخصية من كل قبيلة أو مجموعة تمثل الأكثرية، اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لتحديد من يخلف القائد المؤسس، ومن هنا جاء لقب خليفة ليتوج رأس الحاكم الجديد بالقوانين غير المباشرة التي وضعها القائد المؤسس.

 وقد جاء الاختيار الذي اتفق عليه الأغلبية بعد مناقشات ومداولات سريعة للنائب الأول إذا جاز لنا التعبير للقائد المؤسس، في نفس يوم وفاة النبي الاثنين 12 ربيع أول من عام 11 هجرية. الموافق 7 يونيو 632 ميلادية، وبعد تأكيد خبر الوفاة إثر جدل كبير وتهديد عمر بن الخطاب بقتل من يروج لذلك حتى حضر أبوبكر وأكد الخبر على المنبر بمقولته الشهيرة: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ووسط هذه الصدمة المدوية وانهيار الجميع. اجتمع ممثلو الأنصار أو كبار أهل المدينة في سقيفة بني ساعدة التي كانت عبارة عن مكان مظلل للراحة يشبه الديوان وسط بيوت ومزارع بني ساعدة في شمال المسجد النبوي، واتفقوا على تولي سعد بن عبادة كبيرهم مقاليد الحكم وتوجوه بالفعل وأعلنوا تأييدهم المطلق لهذا الترشيح على أساس أنهم الأحق بالحكم من المهاجرين. 

تواترت الأنباء عن ذلك الاجتماع فأسرع إليه أبوبكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، وكان قرار أبو بكر حاسمًا بمجرد وصوله ورشح للخلافة أحد الرجلين عمر أو أبو عبيدة، مما مثل صدمة للبعض وبدأت بعض المناقشات الحامية فقيل فيها منا أمير ومنكم أمير، حتى قام عمر وحسمها بترشيح أبوبكر مستندًا إلى أنه الأحق بالخلافة لأنه ثاني اثنين، ورغم مفاجأة أبوبكر نفسه بهذا الترشيح إلا أن الجميع قام وبايعه وقيلت كلمات اختلف في مصدرها هل هو سعد بن عبادة أم أبو بكر (منا الأمراء ومنكم الوزراء) أو (منا الوزراء ومنكم الأمراء) حسب قائلها. وقيل أيضا إن الأنصار ذبحوا سعد بن عبادة بتخليهم عن ترشيحه.. لكن الأمر تم حسمه لأبي بكر. وفي اليوم التالي اجتمع الناس وأعلنوا توليه الخلافة وتلقيه البيعة فصعد يخطب على منبر رسول الله رمز السلطة وقال خطبته الشهير (لقد وليت عليكم ولست بخيركم....).
إذن نحن أمام مشهد له دلالات عميقة وتأثير محوري في تطور الأحداث التاريخية بعد ذلك وحتى يومنا هذا. فلنفترض مثلا أن الأنصار أصروا على سعد بن عبادة خليفة ورفض المهاجرون فقامت حرب ما. أو قبل المهاجرون فأصبح الخلفاء كلهم من الأنصار. أو رجع المهاجرون إلى مكة رافضين التنازل عن الحكم وقامت دولتان مختلفتان. أو عشرات الاحتمالات والسيناريوهات المختلفة. ويجب أن نذكر هنا أن  الحباب بن المنذر كان يرفض تماما خروج البيعة من الأنصار. وتحديدًا من الخزرج الذين يمثلهم. بينما بشير بن سعد كبير الأوس سارع بمبايعة أبي بكر لكي لا يستتب الأمر للخزرج ويصبحوا حكاما. وقد حدث صدام مباشر بين الحباب وعمر، لولا تدارك أبي بكر للأمور. . في نفس الوقت لم يحضر البيعة بنو هاشم برموزهم الكبار العباس بن عبدالمطلب وعلي بن أبي طالب لانشغالهم بتجهيز الرسول ودفنه. وكثير من الدراسات تقول لو حضروا البيعة لحصل علي عليها بلا منافسة ولا جدال.
لنتخيل المشهد، القائد والزعيم المؤسس للدولة يتوفى دون أن يوصي بالخلافة لأحد، الدولة الحديثة التي لم يمض على تأسيسها سوى حوالي عشرة أعوام، ما زالت القلوب واهنة والانتماءات القومية متأصلة والاتباع ضعيف حول الراية الواحدة، وما زال كل فريق متصل بأصوله أقوى من التواصل مع الكيان الموحد الجديد. لم يكد ينتشر خبر الوفاة حتى يحدث اجتماع على مستوى كبار القوم للظفر بالمنصب الشاغر قبل ان يقفز عليه أحد. ينشغل آل البيت في التجهيز للدفن. يجتمع كبار المدينة لتحديد الملك الجديد. يصل الخبر لكبار المهاجرين فيسارعوا بالوصول لمقر الاجتماع. نتخيل لو انتهى اجتماع السقيفة دون حضور المهاجرين ويعلن الأنصار اختيار سعد زعيما جديدا للمسلمين، فيرفض المهاجرون علنا ويعلنوا اختيار شخصية منهم كخليفة. فيرفض آل البيت ويعلنون اختيار العباس أو علي كخليفة. وكل فريق يتمسك برأيه. فيسمع بذلك البعيدون عن المدينة من ضعاف الإيمان أو المتربصون بالدولة الوليدة. بالتأكيد كانت ستكون النهاية قبل البداية. لكن الحكمة والتفاهم والالتفاف حول قائد واحد غلبت على الكبار، وإن ترك ذلك أثرا في نفوس كثيرة لم يزل أبدا، ورغم  ذلك سارعت العديد من الجهات والقبائل بإعلان توقفهم عن دفع الخراج أو الضرائب للدولة، كما ارتدت الكثير من القبائل التي كانت منتمية لشخص الرسول وليس الدين الإسلامي، وهنا كان يجب أن يتوقف الكلام، ويحسم الأمر، إما دولة أو لا دولة، فكان قرار الحرب على المرتدين المنافقين ومن منع الضرائب لإرساء مبدأ الدولة وتقوية دعائمها وإعلان شأنها، مع بعض الإصلاحات الإدارية الهامة. وتكوين عدد من الجيوش للتمدد في أماكن الخطر. فتم تثبيت معالم الدولة الجديدة. وظهرت خططها السياسية والاستراتيجية. وبدأ الجميع يعمل تحت راية واحدة بهدف واحد.
دلائل ومؤشرات تأسيس الدولة الثانية
١_ انتقال سلمي للسلطة وظهور رجال الدولة متمثلة في كبار الأنصار وأبوبكر وعمر وأبو عبيدة.
٢_تحديد الحكم في المهاجرين
٣_تحديد ثلاثة حكام تواليا بداية بأبي بكر ثم عمر وأبوعبيدة
٤_ منع التوريث
٥_ تحديد الفئات التي من حقها انتخاب رئيس الدولة
٦_ البيعة لمن تم الاتفاق عليه ولو لم تكن بعض الفئات راضية عنه.
٧_ تحديد معالم الدولة الجديدة.
٨_ وضع استراتيجيات وأهداف مرحلية وطويلة المدى
٩_ تأسيس جيش نظامي قوي
١٠_ التوزيع العادل للثروة
وقد كان أبوبكر في الحادية والستين من عمره، بينما عمر في الثالثة والخمسين وأبو عبيدة في الحادية والخمسين، وعلي بن أبي طالب في الثانية والثلاثين.
والجدير بالذكر أن أغلب الروايات التاريخية تقول إن سعد بن عبادة رفض تولي المهاجرين الحكم منفردين، ولم يبايعهم، لكنه قبل بحكم أبي بكر، لكن بعد وفاته، وبسبب صدامه الدائم مع عمر ترك المدينة مهاجرًا إلى سوريا، وهناك تم اغتياله في حوران، وقيل قتلته الجن، لتكون بذلك أول عملية اغتيال سياسي في التاريخ الإسلامي للدولة الجديدة، قتل بسهم أو سهمين، لتبدأ سنة جديدة لم تكن موجودة من قبل، وهي القتل للمحافظة على استقرار الحكم!
 

عاجل