رئيس التحرير
محمود المملوك

نهد الحرية

كان مقر الجمعية يوحي لمن يلج إليه أنه مقر شركة استثمارية أو عابرة للقارات. بدا على المكان بتفاصيله ملامح أبهة ورفاهة لا تحقق إلا حيث يدير أصحاب الأموال أموالهم، ويرتشفون رحيق عامليهم دون رحمة، لكن الداخل يفاجأ بملامح معظم الموجودين، تعلوها بصمات الشقاء وضيق العيش وعذابات السجون أحيانًا أيضًا.

 رجال ونساء يظهر بينهم شبه عظيم، وسمت متقارب، ومفردات مشتركة من تلك التي تميز أصحاب الحرفة الواحدة، أو أبناء "الكار" الواحد. يلحظ من يراهم أنهم موسومون جميعًا بالترفع، الترفع عن كل غريب تلاقت أعينهم بعينه صدفةً، وليسوا برحماء بينهم، فالترفع بينهم موجود لكنه نسبي، أما مع الغرباء فهو مطلق وحتمي. وجوه أعجمية كذلك هنا، أجانب موجودون في المكان، لا يبدو أنهم من ذوي الغنى، لكنهم متجهمون غالبًا.

- خارج غرفة الاجتماع الرئيسة بمقر الجمعية، يسمع المنتظر بالخارج تصفيقات تعقب الكلمات المنمّقة التي تشبه الخطب السياسية، وضحكات مشتركة من الجنسين، لا تخلو الأنثوية فيها من دلال مصطنع، جذاب أحيانًا، ثم وقت يسير، يغشى المجتمعين فيه مداولة رقيقة يفضحها السكون الذي أعقب العاصفة.

- بالداخل، بدا على المتحدث استمتاعه بالخطابة في العدد المحدود بالصالة المغلقة، وقد ظهر أنه اجتماع يحظى بقدر من الاهتمام، لا يبدو في كلامه شيء مهم عما قاله الباقون، لكن تزلفًا من الحضور نحو ذلك الرجل قد طلى كلماته بأهمية خاصة، ولا يُعرف تحديدًا سبب هذا التزلف والاحترام المبالغ فيه. العكس كان نحو الأجانب، فهو من يكيل لهم سيل الامتداح الصادق والمصطنع، ويبدو كمن ينتظر إجابة ممن يدعوه.

- "قد ناضلت لستة أشهر حتى يخرج هذا التقرير للنور، وليكون تقريرًا علميًّا مستندًا على حقائق واضحة، شهادة شهود، واستطلاعات للرأي، وروايات من الضحايا، كلها تروي تعديات مختلفة على حقوق الانسان". لم يكد يختم هذه العبارة حتى شرع الحضور في التصفيق الحار، فابتهج وتحفزت حواسه أكثر، فأردف: "أستطيع أن أقول لكم إن هذا التقرير سيعيدنا مرة أخرى إلى صدارة الصفوف في ملف الحريات، لست أعني هنا هذه الجمعية التي أرأسها، بل أعني رصيدًا حقيقيًّا مضافًا لسائر الجمعيات المهتمة بهذا الشأن في الشرق الأوسط كله". 

تصفيق أقل حرارة تلا هذه الفقرة من الخطاب، فختم مقاله “أصارحكم أخيرًا، أني قد تلقيت تهديدات بالنيل من سمعتي وسمعة بيتي، فضلًا عن التهديد المعتاد بالسجن كي أتوقف، وليس حادث الاعتداء البدني عليّ من عناصر الأمن بخفيٍّ عنكم. لكنني لم أفعل ولن أخون رسالتي حتى ينقضي أجلي”، تصفيق حار جدًّا هذه المرة يناسب الختام.

- بجوار ذلك الشيخ، بانت ضُحَى، تبدو ملامحها غريبة عن هذا الوسط، فرت منها دمعة غالبتها حين ذكر المتحدث معاناته المتصلة. لا يجتهد الرائي حين يراها ليكتشف أنها فتاة من الطبقة الوسطى، ولا يحتاج تدقيقا ليدرك أنها جديدة أيضا على هذا الوسط.

- حين أنهى الرجل كلمته، قال بإنجليزية طليقة: "دعونا نأخذ استراحة الشاي داخل القاعة إذن، حتى ننتهي من إعداد التقرير الختامي لليوم". قام الحضور زرافات وأفرادًا نحو البوفيه المتواضع، بينما أشار صاحبنا لـ ضُحى كي تتبعه إلى مكتبه حيث سيضع البصمات الأخيرة على التقرير الذي كان منوطًا بها كتابته خلال اليوم.

- أغلق الرجل باب مكتبه وأذن لـ "ضحى" بالجلوس، أخرج هاتفه وبدا منشغلًا جدًّا، أمرها بأن تعرض عليه التقرير سريعًا بينما يحادث أحد الرفقاء من تونس بفرنسية متواضعة، مرر عينيه على نقاط التقرير الرئيسة، ثم نحّى الهاتف ليأمرها، اطبعيه بعدد الحضور، ثم مري "مايا" أن تترجمه فورًا للإنجليزية للوفدين الأجنبيين، ثم عودي إليّ، ألصق الهاتف بأذنه مرة أخرى واستأنف مكالمته.

- عادت ضحى مبتسمة لمديرها تحمل النسخ العربية للتقرير، فأشار لها بيده التي يحمل بها السيجار أن تجلس، ففعلت، كان منهمكًا في مكالمته لم يزل. اقترب الرجل منها وهو يحمل هاتفه المتنقل بين كتفه وأذنه، همت بالوقوف ففاجأها بضغطة لطيفة على كتفها أن لا داعي للوقوف، فاستقرت بمقعدها، ثم حرك يديه بهدوء كمن يفتح ملفًّا من تلك التي تكدس بها مكتبه، وجدت ضحى يد الرجل تعبث بصدرها، ذُهِلت وشُل تفكيرها تمامًا، لم تفعل شيئًا مطلقًا إلا أنها ظلت تحدق في عينيه دون استيعاب. مرت نصف دقيقة وهما الاثنان على ذات الحال، لم تحرك ساكنًا، وعلت وجهه هو ابتسامة فجة وغريبة، تظهر منها أسنانه الصفراء، وقبح وجهه كأنها لم تره من قبل، نفذت رائحة عطره الغالي مختلطًا برائحة سيجاره نحوها، شعرت بدوار فكادت أن تتقيأ، لكن لم يحدث، اصفر وجهها وتسارعت أنفاسها، فنظر إليها واتسعت ابتسامته، نقل عينيه عنها عازمًا على إنهاء مكالمته، فضربها على عجيزتها برفق، ثم أنهى المكالمة بيسر وأمرها أن اتبعيني.

- تبعته ضحى، لكن ظلت واجمة، لا تدري ماذا تفعل، ولا تفهم من نفسها كيف أنها لم تقاوم ذلك العجوز القبيح، ولا كيف تبعته للقاعة. 

أمتار قليلة كانت تفصلهم عن مكان وجود ضيوفه، كيف لم تستغيث بهم، كيف لم تفضحه، لم هي صامتة الآن؟ لا تدري جوابًا عن أي سؤال، كل ما كانت تتيقن منه أن شعورًا بالقرف بلغ حد أن تتقيأ قد غشاها، لكنها شعرت بمرارة يعلوها عجز، عجز مُر، تمكن منها وأقعدها حتى عن التفكير.

- أدار الرجل الجلسة الختامية بهدوء فاجأها تمامًا كما فاجأتها جريمته، ثم قال للحضور: "لابد أن نضع شهادة السجينة هدى عبدالظاهر، عن التحرش الأنثوي بالسجون، بصدر التقرير، سيكون ذلك مهمًّا جدًّا". كان موكلًا لها تدوين مجريات اللقاء بدقة، فمن يدها سيحرر التقرير النهائي الذي سيرسل إلى منظمات دولية تختص بالشأن. أنهت تقريرها بسرعة وانصرفت قبل انفضاض الجمع من المقر.
- ظلت ضُحى تغتسل لساعة كاملة علها ترفع عن جسدها رجس الموقف المفاجئ، لم تنم، وصباحًا أرسلت بريدًا إلكترونيًا يحمل استقالتها.
- عشر سنين مضت منذ هذه الحكاية، أين ضُحى الآن؟ هي تلك السيدة البدينة التي تجلس برواق منزلها مع زوجها وأبنائها الثلاثة، تشعر بحساسية مرضية تجاه كلمة حقوق أو حقوقي، وتلعن كل من يدعي تعرضه للظلم على يد السلطة، تنفر من كل حراك أو مظاهرة سياسية كانت أو فئوية، يصيبها الغثيان حين تمر بشوارع وسط البلد، حيث كان مثواها وقت العمل الحقوقي، صارت تقدس مؤسسات الدولة، وترى في صور رجال الدولة ما يراه العوام في صور القديسين وفي أخبارهم سير الأولياء والصالحين. حتى إذا ما أحيلوا للتقاعد، يحضر بدلًا منهم أولياء وقديسون جدد.