رئيس التحرير
محمود المملوك

"أنا الآن يا صديقي وحيد"

• "أنت بتحب فيروز أكتر، وأنا بحب أم كلثوم أكتر".. من سنة قالها "أحمد" دون مناسبة وإحنا ماشيين على كورنيش إسكندرية رغم إننا كنا بنتكلم في موضوع تاني أساسًا بس كنّا اختلفنا فيه فكان حابب كعادته يغير دفة الكلام بالدخول في موضوع مختلف عشان يهدي جو المناقشة قبل ما تقلب بـ خناقة!.. وقفت ورديت: (بس أنا بحب الإتنين عادي).. زق كتفي بالراحة عشان أكمل مشي معاه، وقال: (عارف، أنا قصدي إنك بتحب "فيروز" أكتر شوية).. سألته: (تمام إيه دخل ده في اللي كنا بنقوله؟).. رد باهتمام: (أنا مسمعتش كل أغاني "فيروز" ما ترشحلي على ذوقك أغنية ليها ماتكونش مشهورة بس أنت عارف إنها حلوة).. قولت دون تفكير: (سكن الليل).. قال بدهشة: (أول مرة أسمع عنها!).. قعدنا في كافيه متعودين نقعد فيه وشغلت الأغنية على موبايلي وزى ما بنعمل كل مرة لما بنسمع حاجة مشتركة قسمنا السماعات بيني وبينه.. هو أخد سلك السماعة اليمين وأنا أخدت الشمال وقربنا راسنا من بعض.. وسمعنا!.. رغم إن مدتها أكتر من 9 دقايق لكن سمعناها 3 مرات!.. قال: (الأغنية دي شبهي!).. سألته، وأنا بضحك: (شبهك إزاي؟).. ضحك بسبب ضحكي، ورد: (أيوا صح إيه ده!، مش عارف والله بس حاسس إنها شبهي).

• حزن معظم الناس على وفاة صديقي الكاتب الشاب "أحمد مدحت" كان حزن على كاتب موهوب لسه في بداية عمره أثر فيهم بكلماته المعبرة.. لكن حزني أنا عليه كان مختلف لإني فقدت بـ وفاته صديق بتشارك معاه معظم تفاصيل يومي.. الـ 3 أو 4 مكالمات اللي أقل واحدة منهم بتتجاوز مدتها ربع ساعة.. الخروجة الأسبوعية أو الشهرية حسب التساهيل للفُرجة على فيلم أو أكتر في السينما.. التمشية الشِبه يومية في شوارع إسكندرية بعد نص الليل، وتحت المطر والكلام عن الأحلام، وعن بكره!.. التريقة على حالنا لما الدنيا تخبط والقلش على نفسنا قبل ما غيرنا يعمل كده.. مفيش مكان ماروحناهوش سوا!.. معظم كافيهات إسكندرية بالنسبالي يعني "أحمد"، ونفس الكلام بالنسبة للشوارع.. التعود على صدمات الحياة بكل أنواعها بيخلق فيك مع الوقت مناعة بتخلّي تجاوزك يبقى أسرع.. آه بتعاني شوية، وآه لازم هتتصدم بس تعافيك بيبقى بدري عن اللي لسه عوده أخضر، وطري.. عشان كده في 2018 ولما كنت متضايق بسبب موقف شخصي حصل معايا من إنسان المفروض إنه عزيز عليا قفلت الموبايل ورحت أقعد على الكورنيش وتحديدًا قرب البحر على الصخور في منطقة سان ستيفانو.. الوقت اللي كنت بحتاجه عشان أخرج من أى أزمة بيبقوا هما شوية الوقت اللي بقعدهم هناك عازل نفسي عن كل حاجة.. يطلعوا زى ما يطلعوا بقى.. ساعة إتنين تلاتة أربعة أنا مش هقوم إلا لما أحس إني بقيت تمام، وكده كده أنا قافل الموبايل بالتالي الوصول ليا هيبقى شِبه مستحيل.. "أحمد" ماكنش يعرف.. حاول يتصل كذا مرة لما لاحظ غيابي بس كان بيلاقي الموبايل مغلق!.. بعد قعدتي في المكان نحو ساعتين ولما الساعة كانت قربت على 1 بالليل سمعت صوت عالي جاى من ورايا بيقول: (الله يخرب بيت معرفتك!، كنت عارف إنك هنا).. بصيت.. "أحمد"!.. (يا عم مش هتبطل الحركات المنيلة دي!، يعني لازم تنزلني وتجيبني المسافة دي كلها عشان أعرف ألاقيك).. ماردتش، وبصيت لـ قدام.. قعد جنبي على الصخرة المربعة.. بص لـ قدام.. سأل: (إيه اللي حصل؟)..  سأل بصدق حقيقي بس أنا اترددت أرد يمكن عشان كنت متعود أخرج من حالة ضيقي لوحدي!.. قال: (مش أنا لما بكون متضايق بتسمعني، وبمنتهى الصبر؟، طب ما تحكي!، ده مايجيش من بعد الصداع اللي بعملهولك يا عم).. حكيت، فضفضت، وسمع، وكالعادة خفف من آثار الموضوع دون ما يتحامل عليا!.. اتكرر الموضوع مرتين تلاتة بنفس السيناريو.. بعد وفاة "أحمد" رحت قعدت في نفس المكان كذا مرة بس ولا مرة فيهم سمعت تاني جملة: (كنت عارف إنك هنا). 

• قبل وفاة "أحمد" الله يرحمه بـ 10 أيام وأثناء اشتداد أعراض المرض عليه كتب على فيسبوك جملة: (أيام ثقال.. لكن لُطف الله أكبر وأشد).. جملة من 6 كلمات بس كانت بتعبر عن اللي هو حاسس بيه.. بعد وفاته وانتهاء الدفن؛ صديقنا المشترك "مصطفى الطيب" كتب على فيسبوك عن "أحمد" وقال: (هل أدركك لُطف الله يا أحمد؟.. أعلم كم أنت مؤمنًا به، أعلم كم تحبه.. واليوم أعلم كم يحبك، هل رأيت كم سخرّ لك من خلقه يرجونه الرحمة والمغفرة؟.. هل أطلعك الله على قلوبنا فرأيت كم صدق محبتنا لك؟!.. أعلم أنه فعل.. أعلم أنك أنهيت الامتحان الآن، لدي هذا اليقين أنك أجبت الأسئلة بنجاح..وأنك الآن، في تلك اللحظة، تستأنس في حضرة الخالق، تنظر إلينا بوجهك البشوش وتبتسم لنا بحنان بالغ مُشفقًا علينا من شقاء الفراق، تتمنى أن تخبرنا كيف كرّمك الله، وأحسن نُزُلك؛ بعدما فعلوه بك بنو البشر في أشد لحظات ضعفك!.. لا أعلم من أين يأتيني هذا اليقين، لكن؛ تلك الخفة التي استقبلت بها يداي جسدك اليوم،داخل مثواك الأخير، أدهشتني!.. الآن؛ وأنا أتهجد إلى الله أن يجعل تلك الليلة هي الأسعد لك على الإطلاق، فهمت!.. لقد أجابني الله على السؤال قبل أن أسأله!.. لقد اختارني أنا لأرافقك إلى الداخل، ليُرسل لي الإجابة في تلك الإشارة العابرة الخفيفة، لقد كان لُطف الله معي أكبر وأشد من ثقل اللحظة!.. الآن، جاء دورك لتُجيب: هل أدركك لُطف الله يا صغيري؟).

• الكاتب الأسواني الجميل "معتز حجاج" كتب عن "أحمد" بعد وفاته وقال: (عرفت أحمد مدحت من 9 سنين، منهم سنة عيشنا في شقة واحدة، أنا وهو والحيطان، لأن ما كانش في عفش يذكر.. خلال شهر واحد معرفش ازاي فرشناها، عَمر البيت من أول ما شاركني فيه.. عيشت 7 سنين من عمري في حياة العزوبية، مع أصدقاء طفولة أحيانًا، وقرايب ساعات، بس دي كانت ألطف سنة بوجوده، اختلفنا لكن عمرنا ما اتخانقنا، وكل مرة رغم إنك أصغر مني كنت قادر على إدارة خلافنا في وجهة النظر بذكائك المعهود.. كنت ودن قادرة تسمع مشاكلي باستفاضة مع إنك مش ناقص.. حولت مواقف كتير صعبة واجهناها لضحك، ومواقف تخسر الأخ أخوه، ومخسرناش بعض، ووقفت جنبي في أسوأ حالاتي.. يوم خطوبتي لبعد المسافة أنت الوحيد اللي عزمتك عزومة مش من بتوع المراكبية، عشان كنت عارف إنك هتوفي، وبعدين أبو الخدود لازم يحضر فرح بكار معروفة يعني، ويوم خطوبتك كنت حاسس إن خطوبتي بتتكرر، سهرنا للصبح، ضحنا ضحك يتوزع على بلد ويفيض.. روحك خفيفة، قعدتك حلوة، وهزارك مش بيجرح حتى بالغلط، كلامك يرطب الدماغ لو على نار.. واثق إنك موهوب وقاري فعلًا، وشاهد إنه في عز ما اتقفلت فى وشك أبواب، قفلت أبواب فرص ألف غيرك يتمناها، عشان أكل العيش له حدود زي ما كنت بتقول دايمًا.. من أول ما طلعت على جهاز التنفس وأنا بجهز نفسي على فلسفتك اللي علمتها لي في الحياة "اجهز لكابوسك مش أمنياتك، عشان لو خير تفرح بكل طاقتك، ولو مصيبة ما متنهارش"، وعلى قد ما الواحد جهز نفسه للحظة دي، على قد ما الخبر جابني الأرض.. يمكن عشان كان عندي أمل فى إنك لسه صغير وجسمك هيقاوم، ما إحنا من صغرنا بنتعلم إن الموت بيقابلنا لما نكبر، في نهاية العمر مش بدايته، رغم إنه الفترة الأخيرة خطف كتير في سننا من حولينا، بس انت الكسرة الكبيرة يا غالي، يا أطيب وأجدع صاحب.. ربنا يرحمك ويصبر أهلك وحبايبك).

• في سنة 2015 اتوفى "البراء أشرف" واحد من أمهر الكتّاب الشباب وأكثرهم موهبة واللي كان له تأثير كبير عليا وعلى كل جيل الكتّاب الحالي.. صدمة وفاة "البراء" كانت بسبب إنه فارقنا فجأة وقبل ما يكمل 30 سنة!.. "أحمد" كان من الناس اللي أثر فيهم الخبر واستمر تأثره فترة مش قليلة.. نظرته للحياة اتغيرت بعد وفاة "البراء" وأخدت وقت عشان أقدر أخرجه من حالة الحزن اللي كان فيها.. يمكن وفاة والدي الله يرحمه قبلها في سنة 2014 كان لها دور إنها خلّت قلبي أقوى في استقبال أخبار الوفاة عمومًا!.. جايز.. من 4 أيام، وبعد وفاة "أحمد" الله يرحمه أخدت اللاب توب بتاعه من أخوه عشان آخد نسخة من روايته الأخيرة اللي كان بيحلم إنه ينزلها في معرض الكتاب 2021 عشان أسلمها لـ دار النشر.. فوجئت بـ ملف Word موجود على سطح المكتب في اللاب، وكان الملف الوحيد اللي في المكان ده.. عنوانه لفت نظري.. "البراء يهمس لكم أن تحبوا الحياة".. "البراء"!.. فتحت الملف وقريت.. كانت مقالة كتبها "أحمد" الله يرحمه عن "البراء" الله يرحمه من سنة 2015 وبيتكلم فيها بتأثر عن حزنه على وفاة "البراء".. اللي هزني هو الفقرة الأخيرة في المقالة واللي زى ما يكون "أحمد" لخص في سطورها فلسفته في الحياة رغم سنه الصغير وقت كتابتها -(21 سنة)-.. كتب "أحمد مدحت":  (بشكل شخصي أشعر دوما أن الموت غير بعيد عني، وأنني حتما سأموت في سن صغيرة.. لا أعرف إن كان لهذا تفسير نفسي ما، أو هو أثر تلك الليلة التي احتضنتي خلالها جدتي بقوة، وهي تهمس: "ابن موت يا حبيبي! ابن موت".. ربما لهذا السبب أسعى دوما لتحقيق أكبر قدر من السعي الإيجابي، ومراكمة الخبرات، والنجاح، في سن صغيرة نسبيا، قبل أن أتجاوز الثانية والعشرين من عمري، حتى لو رأي من حولي في هذا تعجلا لا مبرر له.. لن أموت قبل أن أذوق مرارة الفشل؛ لأعرف بعدها حلاوة فرحة النجاح.. سأخبر من أحبهم أنني أحبهم حقا، ولن أترك المجال للكراهية كي تثقل نفسي وتأكل حياتي، لا وقت لدي للكراهية.. سأحاول ألا أؤجل عمل اليوم للغد، قد لا يأتي الغد، المهم ألا يمر اليوم دون أن أقابل أصدقائي، أحتضنهم، أشاغبهم.. سأكتب، أكتب بقدر ما أستطيع، أجمع الخيبات والانتصارات ولحظات النشوى، سأعتصر تلك الحياة بقدر ما أستطيع... سيأتي الموت حتمًا، ربما أسقط ميتًا في الثانية التالية، قد يتوقف قلبي عن الخفقان في اللحظة التي تقرأ فيها هذه السطور، أتمنى فقط ألا أموت قبل أن أحيا، أن أترك بعد رحيلي أثرا يقنعك حقا أنني كنت حيا).

• البعض يرحل ليبقى، وفيه ناس بتموت عشان تفضل عايشة.. كتير بيكون عندي هاجس بقوله لنفسي هو أنت ممكن لما تموت تسيب أثر مهم والناس تفتكرك ولا هتبقى زى الملايين اللي بيعيشوا ويعدوا على الدنيا زوار وخلاص؟.. كده كده إحنا بنموت وكده كده الناس بتنسى.. ده الأهل نفسهم بينسوا اللي من دمهم بعد فترة!.. من هنا بتتولد الرغبة إن الواحد نفسه يعمل حاجة تخلّيه حتى وهو ميت متباهي بيها!.. وعشان ده يتحقق الطريق الوحيد إنك تدوّر على الحاجة اللي بتحبها وتعملها لأن هى دي غالبًا اللي هتخلي الناس تفتكرك.. فيه ناس بتنقطع علاقتهم بالدنيا بعد موتهم، وفيه ناس تانية بتفضل مكملة بعد الموت بـ سيرتهم الحلوة، وعملهم الطيب، وأحلامهم اللي حققوا جزء منها أو كلها.. الله يرحم صديقي الجميل النقي الباقي رغم الغياب "أحمد مدحت".

عاجل