رئيس التحرير
محمود المملوك

قراءة تحليلية في خطاب سامح شكري بمجلس الأمن

سامح شكري خلال جلسة
سامح شكري خلال جلسة مجلس الأمن

حَملَ بيان سامح شكري، وزير الخارجية، خلال جلسة مجلس الأمن التي عُقدت لحل قضية سد إثيوبيا، كثيرًا من الرسائل المباشرة لأعضاء مجلس الأمن والطرف المتعنت الإثيوبي، مع تقديم حلول واقعية وتأكيد فكرة أن مصر تبحث عن الحل السلمي ولكنها في الوقت نفسه قادرة على حماية حقوق شعبها في الحياة.

خطابُ شكري كان شاملًا جامعًا للجوانب القانونية والفنية والسياسية، بدءًا من أن مصر تواجه تهديدًا وجوديًا مرورًا بأن الدولة المصرية قادرة على حماية حق المصريين في الحياة انتهاءً بأننا نرحب بالحلول السلمية، حين قال الوزير في آخر النص "نرحب بالعمل مع زملائي وأشقائي وشقيقاتي في السودان وإثيوبيا لاغتنام هذه الروح ومضاعفة جهودنا من أجل ضمان مستقبل من السلام والرخاء لبلادنا وشعوبنا".

يمكن تقسيم الخطاب إلى رسائل محددة، وذلك عبر النحو الآتي:

أولًا رسائل مباشرة لمجلس الأمن:

استخدم شكري في خطابه وسائل عدة لرمي الكرة في ملعب مجلس الأمن وتحمله المسئولية وتجلى ذلك عبر الآتي:

  • إقناع مجلس الأمن بمدى خطورة الموقف.
  • التطلع لأن يتخذ المجلس الإجراءات اللازمة لضمان قيام الأطراف المعنية بالانخراط في مسار تفاوضي فعال.
  • بث رسالة توحي بأن مصر على ثقة من مجلس الأمن لحل هذه القضية.
  • الدعوة إلى الالتزام بالمادة الرابعة والعشرين لميثاق الأمم المتحدة التي تنص على ضرورة عمل أعضاء المجلس لتعزيز الأهداف السامية والنبيلة التي أنشئت من أجلها هذه المنظمة.
  • مناشدة المجلس بالعمل بكل جهد ودأب لتجنب تصاعد التوتر الذي سيهدد السلم في إقليم هش.

ومن الأساليب التي استخدمها شكري في خطابه إثبات مدى الضرر الواقع على مصر بطرق علمية وهو ما تجلى فيما هو آتٍ:

  • دراساتنا العلمية تؤكد أن هذا السد العملاق قد يتسبب في أضرار لا تعد ولا تحصى بالنسبة لمصر، واصفًا إيها بالطعون المزمن.
  • المشروع قد يؤدي إلى عجز متراكم للمياه بمصر يبلغ نحو 120 مليار متر مكعب، ما سيسهم في تقليل سُبل الحصول على مياه الشرب النظيفة. 
  • يحرم ملايين العاملين في قطاع الزراعة من المياه اللازمة لري أراضيهم، ما سيؤثر سلبًا على مستوى دخولهم ومعيشتهم، ويدمر آلاف الأفدنة من الأراضي الصالحة للزراعة.
  • يسهم في زيادة ظاهرة التصحر وتدهور النظم البيئية في دول المصب، فضلًا عن زيادة فرص تعرضها للآثار السلبية ذات الصلة بتغير المناخ. 

وبعد سرد أضرار السد الإثيوبي على مصر تطرق إلى إثبات أنه يعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر، محملًا المجتمع الدولي مسئولية الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين من خلال اتخاذ ما يلزم من تدابير لمعالجة الأزمة والتحرك بشكل استباقي لحماية وصون السلام، وليس الإحجام أو إبداء عدم الاكتراث عند تعرض حقوق الدول وبقائها للتهديد.

ويبقى سؤال كيف أثبتت مصر التعنت الإثيوبي خلال الجلسة؟ استطاع شكري في خطابه أن يؤكد مرارًا وتكرارًا على فكرة تعنت الجانب الآخر وأنه لا يريد حلًا حقيقيًا، وذلك عبر الآتي:

  • إثيوبيا لم توافق على حلول أو مقترحات توافقية قدمها شركاؤنا الدوليون.
  • إثيوبيا استمرت في تبنى مواقف صِيغت بغرض تفادي وتجنب تحملها لأي التزام لحماية حقوق مصر والسودان أو حتى توفير الحد الأدنى من الضمانات لهما.
  • مصر وقعت على اتفاق إعلان المبادئ عام 2015 وقدمت خطة لإنشاء صندوق مشترك لتمويل مشروعات البنية التحتية بهدف توسيع آفاق التعاون بين بلادنا.
  • مصر اقترحت المساهمة في تمويل هذا السد الإثيوبي، واقترحت مد خطوط الكهرباء المصرية للمساهمة في إمداد إثيوبيا بالطاقة لدعمها في مسعاها لتحقيق التنمية.
  • إثيوبيا مصممة على رفض أي اتفاق يمكن أن يوفر وسيلة مجدية لحماية مصالح دول المصب.
  • انخراط مصر في المفاوضات رغم التصرفات الأحادية.
  • حرص مصر على تحقيق أهدافها التنموية المرجوة والمتمثلة في توليد الطاقة الكهرومائية في أقرب وقت، وبفاعلية وعلى نحو مستدام.
  • إثيوبيا تتصرف من منطلق فرضية أن انخراطها في المفاوضات يأتي من باب المجاملة أو المن، حيث دأبت إثيوبيا على تجاهل حقائق الجغرافيا وتوهمت أن النيل الأزرق هو نهر داخلي يمكن لها استغلاله لمصلحتها الحصرية.
  • النهج الإثيوبي أحبط كل الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق حول هذا السد.
  • إثيوبيا مستمرة في معارضتها لتسمية الوثيقة التي يتم التفاوض حولها بأنها "اتفاق"، بل اقترحت وصفها بـأنها مجرد "قواعد إرشادية".
  • تصر أديس أبابا على صياغة الاتفاق بالشكل الذي يضمن لها اليد العليا في تعديله وتغييره بشأن كيفما تشاء. 
  • تسعى إثيوبيا لاستخدام المفاوضات كبابٍ خلفي لتكريس حق مطلق لذاتها لتشييد مشروعات مستقبلية على مجرى النيل الأزرق دون ضوابط أو معايير تحكمها، وتطالب دول المصب بالإقرار بسيطرة إثيوبيا المطلقة على النهر.
  • نسف كل جهودنا الرامية لإجراء دراسات مشتركة حول الآثار الاجتماعية والاقتصادية للسد وتقييم مضاره البيئية.

وبعد إثبات التعنت الإثيوبي انتقل وزير الخارجية إلى أن مصر تشارك في جميع المفاوضات دوليًا (برعاية الولايات المتحدة الأمريكية) وإفريقيًا (برعاية الاتحاد الأفريقي) التي من شأنها حل الأزمة.

ثانيًا رسائل حاسمة لإثيوبيا:

وجه شكري رسائل واضحة للجانب الإثيوبي، ومن أجل تحقيق الهدف "كذب ادعاءات حكومة إثيوبيا" فند مزاعم الإثيوبيين بالحقائق والتاريخ والأحداث ومن ذلك أنه في خطاب وزير الخارجية الإثيوبي، المؤرخ في 23 يونيو 2021، والموجه إلى مجلس الأمن، ذكر فيه "ملء وتشغيل سد النهضة دون السعي للتوصل إلى اتفاق مع مصر والسودان، مجرد ممارسة للحد الأدنى من حقوق إثيوبيا السيادية كدولة مشاطئة في مجرى مائي دولي". وردًا على ذلك أكد شكري أن فحوى هذه العبارة ومضمونها يجسد أساس وسبب المشكلة التي نحن بصددها، ويكشف حقيقة جلية وهي أن مرجع ومصدر هذه الأزمة سيأسى بامتياز.

ومن الادعاءات الإثيوبية التي رد عليها شكري بأنهم يتعرضون للظلم بسبب الاتفاقيات الاستعمارية، حيث أكد وزير الخارجية أن ذلك لا تمُت للواقع بصلة، فلم تكن إثيوبيا في يوم من الأيام مستعمرة، كما أنها لم تبرم أي اتفاقية تتعلق بالنيل تحت الإكراه أو القسر، وأن مصر لم تعارض مطلقًا حق إثيوبيا في استغلال موارد النيل الأزرق.

وفي خطاب لوزير المياه الإثيوبي مؤرخ في 8 يناير 2021 ذكر فيه أنه "لا يوجد أي إلزام على إثيوبيا سواء بموجب القانون أو الممارسة للتوصل إلى اتفاق مع دولتي المصب لتشييد سد النهضة أو أي مشروعات مائية مستقبلية" رأى شكري أن إثيوبيا رفضت خلال الاجتماع الوزاري الأخير الذي عقد في كينشاسا خلال الفترة من 4-6 أبريل 2021 كل مقترح تقدمت به مصر والسودان بهدف تعزيز العملية التفاوضية التي يقودها الاتحاد الإفريقي.

وفي هذا الأمر، يؤكد رد شكري بالتاريخ ونص تصريحات وزير الري الإثيوبي أن وراءه فريقًا يتابع كل شيء يخص القضية التي تمثل قضية وجودية لتعلقها بأمن مصر المائي، كما يؤكد أن هذه الأزمة مسيسة من قبل الإثيوبيين لتحقيق مكاسب إعلامية وسياسية، واستخدام كلمة "النهضة" من أجل الحشد الشعبي.

ثالثًا رسائل إلى الاتحاد الأفريقي:

خلال الفترة الماضية حاول الجانب الإثيوبي سحب القضية من أروقة مجلس الأمن وهذا ما تجلى في نص خطاب وزير الري الإثيوبي، غير أنه قبل ساعات من جلسة مجلس خرجت إثيوبيا تستنجد بالاتحاد الأفريقي عبر لقائهم ممثلين وسفراء من دول حوض النيل، وزرع بداخلهم أن دولة المصب تخترق آليات إفريقيا.

ومن أجل غلق الباب أمام التحركات الإثيوبية سعى وزير الخارجية إلى بث رسائل واضحة للاتحاد الأفريقي توحي بأن مصر تحافظ على قيادة رئيس الاتحاد الأفريقي لعملية التفاوض وتدعمها، وأنها انخرطت على مدار عام كامل في المفاوضات التي عقدها رئيس الاتحاد الأفريقي آنذاك سيريل رامافوزا، رئيس جنوب إفريقيا، رغم ذلك فقد باءت كل تلك الجهود بالفشل.

رابعًا طرح حلول:

لم تكتفِ مصر بإدانة إثيوبيا وكذب ادعاءاتها وإثبات انخراط مصر في المفاوضات، ولكنها قدمت حلولًا فعالة ورأت أن إبرام اتفاق عادل ومتوازن بشأن السد الإثيوبي لا يعد أمرًا بعيد المنال أو غير قابل للتحقق، كما أن المقترحات الإثيوبية هي تجريد دولتي المصب من أي حماية مجدية ضد الآثار السلبية للسد، ومنح إثيوبيا حقًا مطلقًا لملء خزان السد وتشغيل توربيناته العملاقة دون الالتزام بأي قواعد أو إجراءات يكون من شأنها تخفيف التداعيات السلبية لهذا السد وتنظيم عملية تشغيله.

ومن المطالب التي قدمتها الخارجية المصرية:

  • بذل المجتمع الدولي كل جهدٍ ممكن، بما في ذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة من خلال مجلس الأمن، لاستباق هذه الاحتمالية ومنع تحول السد الإثيوبي إلى تهديد وجودي لمصر.
  • تبني مجلس الأمن مشروع القرار الخاص بمسألة سد النهضة الإثيوبي التي تم تعميمها من قِبل جمهورية تونس الشقيقة.
  • قيام المجلس بمطالبة الأطراف للعمل على الوصول إلى اتفاق منصف، وفي إطار زمني محدد، وتشجيعها على العمل الصادق ودون مواربة لتحقيق هذا الهدف المنشود.
  • صياغة حلول للمسائل القانونية والفنية العالقة.

ولم يخلُ الخطاب من رسالة مباشرة مفادها أنه لا يوجد أمام مصر بديل إلى أن تحمي وتصون حقها الأصيل في الحياة وفق ما تضمنه لها القوانين والأعراف السائدة، وبعد ذلك مباشرة أكد شكري الحل السلمي والودي عن طريق التفاوض للأزمة، لدرء العواقب الوخيمة التي قد تنتج حال لم نستطع التوصل إلى تسوية لهذه القضية، حيث إن الإخفاق في اتخاذ إجراء فعال إزاء مسألة السد الإثيوبي يُعد تقصيرًا مخيبًا للآمال بشأن اضطلاع المجلس بمهامه ومسئولياته، مختتمًا خطابه بأن مصر تبذل كل جهد للتوصل إلى اتفاق يدعم رابطة الأخوة بين الدول التي تعيش على ضفاف نهر النيل.