رئيس التحرير
محمود المملوك

التقويمُ الهجريُّ دينٌ

كثيرٌ من المسلمين اليوم يظنُّ أن التاريخ الهجريَّ مجردُ تأريخٍ يؤرِّخُ به المسلمون أحداثهم، ويضبطون به وقائعهم، ويتعاملون معه معاملةً هامشيَّةً، ولا يذكُرُون من شهوره ربيعًا أو غيره إلا في مناسبته وذكراه المتكرِّرَة، وفيما سوى ذلك تظلُّ الأمةُ غافلةً عن الهجرة وأيامها وشهورها حتى تُفاجَأ بصَيحَة العام الجديد، وربما لولا الإجازة الرسميَّة لما تذكَّروه وما تنبَّهوا له، وإلا فأنا أتحدَّى جمهور المسلمين، أن يخرج من كلِّ ألفٍ منهم عشرةٌ يحفظون الشهور العربية بترتيبها الرتيب المعتاد.

والحقيقةُ أنه لا يستطيعُ مسلمٌ أن يستغنِيَ عن هذا التقويم الهجريِّ، سواءٌ في ذلك مناسبتُه السنوية المتكررة، وشهورُه المتداولة، وذلك لتعلُّقِها تعلقًا تامًّا بعباداتنا وقرباتنا، ومناسِكَنا وأحوالنا الشخصية، حيث الكفاراتُ والعقوباتُ،  ويظهرُ ذلك في ما يلي:

أولا: إن مناسبة الهجرة السنوية تُذكِّرُنا بوقت عزة أجدادنا الأوائل، حيث الصحابةُ الكرامُ الأماثلُ، وهي عزةٌ تفُوقُ اعتزازنا بميلاد المصطفى –صلى الله عليه وسلم- أو بعثته، وفي كلٍّ عزةٌ وشرفٌ، غير أن الميلاد كان ميلادَ محمدِ بنِ عبدِ الله يتيمِ أبي طالبٍ، ولم يكن موسُومًا بنُبُوةٍ أو رسالةٍ، كما أن البعثة كانت قد بدأت بعددٍ من الناس قليلٍ، ظل يكبُرُ شيئًا فشيئًا، بيد أنهم كانوا في ذلةٍ وضعفٍ، وفقر وشظفٍ، ولم تكن لهم شوكةٌ أو قوةٌ.

أما الهجرةُ النبويةُ فهي التي أقامت عزَّ الإسلام في نفوس المسلمين، بعد أن صارت لهم دولةٌ معترَفًا بها بين القبائل والحضارات، حتى جعلَتِ الأوسَ والخزرجَ وطوائفَ اليهود بالمدينة وقبائلَ قريشٍ يجلسون معها على موائد التفاوض وفضِّ المنازعات، كما صارت لهم شوكةٌ وقوةٌ، بعد أن كانوا في ضعفٍ ومَذَلةٍ، يُصرَعُ أمامها أبطالُ العرب القرشيين، وصناديدُ المشركين المعاندين، فعجبوا لذلك حتى أذَّنُوا في ديارهم بمكة: "إن عبيدنا –أي: المسلمين- يقتلون أسيادهم"... فهي ذكرى عزةٍ وشرفٍ. 

ثانيا: هذه الأشهرُ الهجريةُ اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، وهي: (ذو القعدة – ذو الحجة – محرَّم – رجب الفرد) هذه الأشهرُ حرَّم الله –تعالى- فيها القتال، كما عظَّمَ فيها إثم المحرمات، وانتهاك الحُرُمات، فكانت الذنوبُ فيها مضاعفةً عن غيرها من بقيَّة شهور العام، قال –سبحانه-: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36].

ثالثا: هذه الأشهرُ العربيةُ الاثنا عشر، منها ثلاثةُ أشهرٍ هي أشهرُ الحجِّ، كما قال الله –سبحانه-: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، هذه الأشهرُ هي: (شوال – ذو القعدة – ذو الحجة)، فللحاجِّ أن يُحرِم للحجِّ في أيِّ وقتٍ من هذه الأشهر الثلاث، ولا يُحرِمُ قبلها.

رابعا: من هذه الأشهر الاثني عشر، شهرٌ فرَضَ الله علينا فيه صيامه، وهو شهرُ رمضان الأغرُّ، قال –جل ذكره-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

خامسًا: من المناسك المتعلقة بهذه الأشهر الهجرية عِدَّةُ المرأة عند فراق زوجها، إذا كانت تعتدُّ بغير الحيض والأقراء، فالمتوفَّى عنها زوجُها عدَّتُها أربعةُ أشهرٍ وعشرةُ أيامٍ، كما قال –سبحانه-: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، والمرأةُ التي انقطع حيضُها وكذلك الصغيرةُ التي لم تبلُغ سِنَّ المحيضِ بعدُ، عدَّتُهن عند الطلاق ثلاثةُ أشهرٍ، كما ذكر ربُّنا –تبارك وتعالى- ذلك، إذ قال: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]، والبنتُ التي بلغَت سِنَّ المحيض ولم ترَه، عِدَّتُها عند الطلاق عامٌ كاملٌ.

هذه الأشهرُ وهذا العام يُحسَبُ بالأشهر القمرية لا الميلادية، وذلك من رحمة الله –تعالى- بالمرأة، فإن هذه الأشهرَ أقلُّ من الأشهر الميلادية، والعامَ الهجريَّ ينقصُ عن العام الميلادي بأحد عشر يومًا تقريبا، فإن حسابها بهذه الأشهرِ أفضلُ لها من حسابها بالأشهر الميلادية.

سادسًا: هذه الأشهرُ متعلقةٌ أيضًا بجانبٍ من العقوبات والكفارات، التي يعاقِبُ الله بها صاحبَها في الدنيا، لتكون كفارةً له في الآخرة، وذلك لمن قال لامرأته: (أنت عليَّ حرامٌ كظهر أمي)، فكفارتُه صيامُ شهرين متتابعين من قبل أن يَتماسَّا، وكذلك القاتلُ خطئًا، فكفارتُه مع الدية المخفَّفة صيامُ شهرَين متتابعَين توبةً من الله، هذه الأشهر هي أشهرٌ هجريةٌ، وليست ميلاديةً.

هكذا كانت علاقةُ المسلم بالعام الهجري، مما يعيِّنُ على كلِّ مسلمٍ أن يتنبَّه له شهورًا وأيامًا، حتى يضبطَ به عمله إقدامًا وإحجامًا، ويجعل له في قلبه مكانة عزةٍ وإكبارٍ.

عاجل