رئيس التحرير
محمود المملوك

مثقف الدولة الوطنية

"إن وظيفة المثقف في تلك المرحلة من تاريخ بلادنا، هي التغيير الهادئ العميق حفرًا في وعي الناس".

تلك العبارة التي تُجسد دور المثقف الوطني الملتزم تجاه قضايا ومشكلات مجتمعه، والذي يتحمل بتجرد تام مسؤوليته في عملية الإصلاح والتنمية عبر تجديد الفكر والوعي، سمعتها في مرحلة الدراسة الجامعية مع بداية تسعينات القرن الماضي عبر إذاعة BBC على لسان الشاعر والكاتب السوري محي الدين اللاذقاني.

ومن ذلك التاريخ حُفرت تلك العبارة بنصها ومضامينها ودلالاتها في ذاكرتي، وحددت اختياراتي وقناعاتي حول دور المثقف الوطني ورسالته في مجتمعه، ومسؤوليته تجاه بلده.  

ولكن بعد ذلك بسنوات- وتلك مفارقة كبرى - صار الأستاذ محي الدين اللاذقاني، أحد قيادات الثورة السورية، بعد قيامها في مارس 2011، متخليًا عن قناعته السابقة حول استراتيجية التغيير الهادئ العميق حفرًا في وعي الناس، ومتبنيًا للخيار الثوري في الإصلاح والتغيير.

وهو الخيار الذي تحول مع تطور أحداث الثورة السورية، وتدخل قوى خارجية إقليمية ودولية إلى ثورة مسلحة وحرب أهلية، أثبت تطور أحداثها ومجرياتها فشل الخيار الثوري في إصلاح المجتمع وتغيير أنظمة الحكم في المنطقة العربية.

كما أثبتت أن المعارضة المسلحة السورية المدعومة من الخارج، لا تستطيع رغم كل الدعم الإقليمي والدولي الذي حصلت عليه أن تقلب موازين القوى على الأرض لصالحها، وأنها صارت خيانة للدولة الوطنية، وعمالة واضحة للخارج.  

ولهذا استمرت الحرب في سوريا بين الأخوة الأعداء لليوم، صانعة مأساة إنسانية وسياسية سورية وعربية، دفعت بعض المراقبين للقول بحتمية الحل السياسي للصراع السوري، وعبثية الحل العسكري، مع إدانة انتهازية ولا إنسانية معظم أطراف الصراع.

وقد شاءت الأقدار في نوفمبر 2015 أن التقي بالأستاذ محي الدين اللاذقاني في "مؤتمر المثقفين العرب" المُنعقد بمكتبة الإسكندرية، وانتهزت تلك الفرصة لكي أوجه له هذا السؤال:

"كنت ترى من قبل أن مهمة المثقف الوحيدة التي تفرضها عليه مسؤوليته الوطنية والتاريخية، هي السعي للتغيير الهادئ العميق حفرًا في وعي الناس. ولكنك طرحت جانبًا هذا الفهم والدور، وتبنيت الخيار الثوري من أجل الإصلاح الجذري وتغيير نظام الحكم في سوريا. بل أصبحت من زعماء الثورة السورية التي تحولت لمواجهات دموية مسلحة، انتهت بسوريا إلى كل هذا التدمير والخراب؛ فكيف يمكن أن تفسر هذا التناقض والتحول في بين قولك وموقفك؟"

فأجاب بقوله: "نعم كانت تلك قناعتي في الماضي، ولكني فوجئت بوعي الجماهير المتقدم، وثورتها غير المتوقعة، بعد أن سئمت ما كانت تعيش فيه من ظلم وفساد، وكان لا بد لي من الارتقاء لمستوى وعي وطموح الجماهير، وتبني خيارها الثوري في التغيير. وليس من العيب أن اعترف أن الجماهير في ثورات الربيع العربي كانت أكثر تقدمية من المثقفين".

واليوم استعيد هذا الحوار، وأنا أتأمل في الوضع السوري واليمني والليبي، ومخاطر الوضع الراهن في تونس، وما مررنا به في مصر من تهديدات ومخاطر في العشر سنوات الأخيرة، فأدرك كم يخطئ المثقف في حق نفسه ودوره ومجتمعه ووطنه، عندما يفقد بوصلة ضميره الوطني، ويخون مبادئه وقناعاته، ويتبع الجماهير دون وعي، عوضًا عن أن يقوم هو بقيادتها وتنمية وعيها الوطني والمعرفي، بما يحقق صالح الشعب، واستقرار الوطن، وحماية مؤسسات الدولة.

ولهذا أرى أن المثقف الحقيقي ليس الإنسان الذي حصل على الشهادات العلمية من أدناها إلى أعلاها، ويُريد تحقيق مكانة اجتماعية مرموقة، وشهرة ونجومية، وبطولة زائفة. وليس هو الشخص الذي يقرأ الكتب، ويعيش منفصلًا عن الواقع وقضايا ومشكلات مجتمعه؛ ولكنه الإنسان المُتعلم، الذي يملك وعيًا تاريخيًا وسياسيًا، ويهتم بالشأن العام، ويعيش مشكلات وقضايا عصره ومجتمعه ودولته بواقعية، وفهم عميق، وقدرة على التحليل والنقد. 

وتأسيسًا على هذا الفهم لمعنى المثقف، يصبح دور المثقف الوطني في لحظتنا الراهنة، هو من جديد "السعي للإصلاح  والتغيير الهادئ العميق حفرًا في وعي الناس".

مع ضرورة التمييز في معركة الوعي والإصلاح والتنمية، بين ما كان، وما هو كائن، وما ينبغي أن يكون، وما ينبغي تحقيقه مما ينبغي أن يكون في ضوء الواقع والإمكانات والأولويات الوطنية.

وكل ذلك يؤسس على القناعة الراسخة بأن الدولة الوطنية ومؤسساتها، هي حصننا الأخير للحفاظ على وجودنا وأمننا واستقررنا وثقافتنا وهويتنا  في عالم متغير، شديد التعقيد، يُعاد فيه صياغة العلاقات والحدود والأدوار.

وأن الحفاظ على الدولة الوطنية الموحدة والمستقرة، واستكمال بناء مؤسساتها وبنيتها التحتية واقتصادها، والسعي لجعلها دول حديثة وقوية، تنفذ "مشروع تنمية شاملة ومستدامة" يُلبي أحلام وطموحات الشعب في حياة كريمة، ويُعيد لمصر مكانتها وريادتها في المنطقة، هو أهم أولوياتنا الوطنية  في هذه المرحلة من تاريخنا.