رئيس التحرير
محمود المملوك

سرقة الأموال من البنوك جريمة إفساد في الأرض

انتشرت في الآونة الأخيرة جرائم النصب والاحتيال، وتعددت صورها فتطور القديم منها، وذلك باستخدام التطور التكنلوجي وثورة الاتصالات، وأضيف إليها صورا لم نكن نسمع عنها في بلادنا وإن سمعنا عنها في بلاد الغرب، وهي جريمة الاستيلاء على أموال المودعين في البنوك بالاحتيال على أصحابها، حيث يتصلون على المودعين ويدعي المتصل أنه من العاملين بالبنك وأن البنك يقوم بتحديث للحسابات،ويطلب المتصل من العملاء تزويده ببعض البيانات كالأرقام التي على بطاقات السحب التي يستخدمونها للسحب من ماكينات الصرف الألي،أو إبلاغ المتصل برقم يصل العميل على هاتفه وما هو إلا كود تحويل خاص بكل عمليّة تحويل يجريها العميل من خلال تطبيق BM TOKEN فيتم التحويل من حساب العميل إلى حاسب يخص المجرم.

 ومن العجيب أن يحدث هذا في بلد إسلامي يعلم من فيه حرمة المال في دينهم،ويعلمون أن حفظه وحمايته لأصحابه مقصد من المقاصد الكلية لشريعتنا وهي: النفس والعقل والدين والعرض والمال، ويعلمون من كتاب ربهم وسنة نبيهم عاقبة الاعتداء عليه ومن ذلك قوله – تعالى-:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}، ويعلمون قول رسولهم في حجة الوداع:" يا أيها الناس إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم،كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم.ألا هل بلغت. ألا فاشهد".

ويعلمون أن شريعتنا بيّنت كل شاردة وواردة تتعلق بالمال بداية من التوجيهات السلوكيّة وانتهاء إلى العقوبات الرادعة للمعتدي عليه، فبيّنت النصوص كيفيّة اكتسابه وكيفيّة إنفاقه،والحقوق المتعلقة به،وأنه في الحقيقة مملوك لله وهو في أيدينا على سبيل الاستخلاف:{ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} ويجدون في كتاب الله مدحا للذين يتعاملون معه باعتدال فلا إسراف ولا تقتير: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}،ويجدون ذما للبخلاء:{ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } وذما للمبذرين:{ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} ويجدون حقا واجبا للفقراء والمساكين...في المال إن بلغ نصابا يخرجه مالكه للمستحقين:{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} كما يجدون بيانا شافيا لمن تعامل مع المال على غير ما بين شرعنا من التوسط والاعتدال في الإنفاق، أو خالف طرق كسبه المشروع،فقد حرم شرعنا أكل أموال الناس بالباطل:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}،وحرّم الاعتداء على أموال الناس بأي صورة من صور الاعتداء سواء أكان غشا أو غصبا أو إتلافا أو تطفيفا في الكيل أو الوزن: { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ }.

ولم يتوقف الحد على بيان تحريم الاعتداء بل من بين العقوبات الحديّة القليلة في شريعتنا حد لأخذ المال سرقة،حيث تقطع يد السارق: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فإن صاحب أخذ المال استخدام القوة أو الإرعاب ففيه عقوبة حديّة هي الأشد على الإطلاق بين العقوبات التي عرفتها شريعة الإسلام، فلم ترد لجريمة واحدة أربع عقوبات إلا في هذا الحد المعروف بالحرابة أو الإفساد في الأرض أو قطع الطريق،وهي التي تعرف في زماننا بجريمة الإرهاب،ولم ترد عقوبة الصلب إلا فيها:{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ولذا فإن ما نسمع عنه في الآونة الأخيرة من انتشار جريمة سرقة أموال المودعين من حساباتهم أو غيرها من جرائم النصب والاحتيال غاية في الخطورة،وهذه العمليات الإجراميّة هي بين حدي السرقة والحرابة، فأدناها اعتبارها جريمة سرقة توجب قطع يد السارق، وهي من وجهة نظري أقرب إلى جريمة الحرابة أو الإفساد في الأرض، لما يترتب عليها من تخريب للاقتصاد،وهز لثقة العملاء في البنوك لعدم قدرتها على حماية أموالهم، وعلى الجهات المعنية بذل ما في وسعها لكشف هذه العصابات الإجراميّة وتقديمها للعدالة لتنال عقابها الرادع لها ولغيرها، وفضح هؤلاء المجرمين ليحذرهم الناس.

 وعلى كافة المتعاملين مع البنوك الانتفاع بالرسائل التحذيرية التي ترسلها البنوك على هواتفكم تحذرهم من مشاركة بيانات حساباتهم مع أي أحد ولو ادعى أنه من البنك،وليكن تعاملهم مع البنك مباشرة وليس من خلال الهواتف، أو على الأقل من خلال أرقام الهواتف المعلنة من قبل بنوكهم، وعلى البنوك القيام بما يلزم لتأمين حسابات عملائهم التي جعلوها بين أيديهم ولم يأمنوا عليها في بيوتهم، وليحذر القائمون على أمر بنوكنا استفحال الأمر وانتشاره فإنه سيضر بنشاط البنوك ضررا بالغا،أما أولئك الذين ضلوا السبيل وغفلوا عن وقفة الحساب بين يدي الله: فليعلموا أنهم في حرب مع ربهم وليس مع العباد،وأنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وأن ما يقومون به ليس من الشطارة في شيء وإنما يدفعون بأنفسكم إلى جهنم وبئس المصير دفعا، فليعودوا إلى رشدهم وليتوبوا إلى ربهم وليتذكروا أنهم سيموتون وأنهم سيقفون بين يدي ربهم يُسألون،فلا يفرحوا إن هم أفلتوا من العقاب في الدنيا فإن عقاب الآخرة لا قبل لهم به، وليتذكروا قول ربهم:{ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}؟ اللهم بلغت اللهم فاشهد.