رئيس التحرير
محمود المملوك

«خليك فاكرني»

في واحد من القصص الإنسانية الحقيقية اللي ذُكرت على لسان الكاتبة "بيني بورتر" بتقول إنها كانت متعودة تخرج تتفسح يوميًا مع إبنها "سكوت" اللي عنده 14 سنة.. كل يوم قبل الغروب ياخدوا العربية بتاعتها ويخرجوا يتفرجوا على منظر الغروب على الطريق السريع اللي بيمر في ولاية "أريزونا".. وهما على الطريق شافوا اتنين صقور طايرين على ارتفاع منخفض.. منظر الصقرين كان مبهج جدًا.. بيطلعوا وينزلوا بسرعات خرافية كإنهم بيتسابقوا.. عظمة المنظر أجبرت "بيني" و"سكوت" يركنوا العربية ويقفوا يتفرجوا عليهم.. واحد من الصقرين غير مساره وطلع لفوق في السماء شوية وهو بيرفرف زي ما يكون بيتحدى الصقر التاني إنه يشاركه المرح والتحدي.. فجأة طاخ.. سمعوا صوت طلقة بندقية.. بعدها انفجار كومة من الريش ثم وقوع الصقر اللي كان طاير لفوق في حركة لولبية لتحت بسرعة وهو بيرتعش.. ولإن الزفت لما بيحصل بيحصل كله مرة واحدة؛ لسوء حظه الصقر وقع فوق مسار عربية نقل ضخمة كانت ماشية على الطريق في نفس اللحظة فخبط فيها ونطرته مسافة كبيرة لقدام.. كل ده حصل في ثواني بسيطة.. بمنتهى الرعب "بيني" بصت على شمالها هي و"سكوت" عشان يشوفوا مصدر الرصاصة لقوا بوز بندقية طالعة من شباك عربية واقفة قريب منهم وخارج منها دخان والصياد اللي ماسكها في عينه نظرة نصر، لكن وبسبب نظرة الغضب في عين "بيني" وابنها؛ الصياد خاف وطلع جرى بالعربية.. بسرعة  "بيني" و"سكوت" جريوا ناحية مكان وقوع الصقر عشان يلحقوه.. كان واقع على ظهره وجناحه المتهتك المكسور متني تحته ومنقاره مفتوح وعينه الاتنين اللي لونهم أصفر مفتوحين على آخرهم من شدة الألم والخوف.. عرفوا من حجمه الكبير نسبيًا إنه ذكر لإن أنثى الصقور بتبقى أقل حجمًا من كده.. الصقر لما شافهم بيقربوا حاول يدافع عن نفسه بآخر سلاح يمتلكه وهو منقاره بس "سكوت" وعشان يقدر يمسكه رمى الجاكت الجلد بتاعه فوقه وشالوه بمنتهى الحذر.. قرروا يروحوا بيه على مزرعتهم عشان يسعفوه.. وهما ماشيين بالعربية والصقر معاهم كانوا سامعين صوت صيحات حزينة جاية من فوق من الصقر التاني!.. وصلوا المزرعة واتصلوا بالعيادة البيطرية الموجودة قريب من مزرعتهم.. جه الدكتور وبمجرد الكشف المبدئي قال لهم بأسف: (لا فائدة، سيموت على أى حال، القتل الرحيم هو أنسب ما يمكن فعله معه).. "بيني" سألته: (أتعني أن نقضي عليه؟).. الدكتور رد: (لن يتمكن من الطيران مرة أخرى بجناح مصاب وسوف يموت جوعًا فالصقور تحتاج إلى مخالبها في تمزيق الطعام، أنا آسف حقًا).. الأم وابنها بصوا لبعض وخدوا قرار.. هيحاولوا يدوا فرصة للصقر لآخر لحظة وعلى الأقل يبقوا حاولوا.. لبسوا جوانتيات جلد في إيديهم وشالوه وحطوه جوه قفص خشب بتاع عصافير.. نيموه جواه.. عدت أسابيع.. 3 أسابيع الصقر دون حركة تمامًا والعلامة الوحيدة على إنه لسه حي هو جفنه اللي كل شوية يفتح ويقفل.. بيتنفس بصعوبة.. لا بياكل ولا بيشرب.. يادوب بالعافية كانوا بيحطوا له ميه في منقاره عن طريق حقنة.. في يوم "سكوت" لقاه ساكت خالص وعينه مقفولة.. دخل إيده جوه القفص وحطها تحت الريش الناشف بتاعه وصرخ في رعب وهو بينادي "بيني": (أمي لقد مات!).. "بيني" ماكنتش عارفة تعمل إيه فجابت بسرعة شوية عصير في الحقنة وفتحوا منقاره وكبوا شوية جوه بُقه.. الصقر فنجل عينه ونطر العصير من بُقه كإنه شرقان ودفس راسه في طبق الميه الموجود جنبه!.. "سكوت" قال لـ أمه والدموع في عينه: (انظري يا أيى إنه يشرب).. فعلًا بدأ ياكل ويشرب بشكل تدريجي وهو نايم على جنبه!.. جابوا عود خشب عريض وربطوه في الجناح المكسور بتاع الصقر كإنه جبيرة.. وبقوا يحطوا قدامه حتت لحمة متقطعة صغير ومتغطية بالرمل عشان يقدر يهضمها.. حاول يقف مش قادر يحفظ توازنه.. يقف ثواني ويميل ناحية جناحه المكسور ويتكفي على جنبه تاني.. مرة في مرة قام ومسك بمنقاره سلك من سلوك القفص عشان يسند نفسه ومايُقعش.. كانت خطوة عظيمة وتطور مهم في رحلة شفاء الصقر.. خلاص قرر يعيش.. نظرة الخوف زالت من عينه لكن هل هيكون واثق فيهم؟.. حطوه في قفص كلاب كبير شوية وفيه فتحة فوقه عشان يخلوه بعيد عن مضايقات القطط البرية والذئاب اللي كانت منتشرة في التوقيت والمنطقة دول.. الأسابيع بقت شهور.. سموا الصقر "هوكينز ".. الشتا دخل عليهم.. ريش رقبة "هوكينز" بدأ يقع وبقى عامل زي راجل عجوز لابس توب مرقع.. بدأوا يدوله فيتامينات في الأكل والميه.. مع الوقت اتحلت مشكلة الريش وبدأ يطلع تاني.. بدأ كمان يبقى عنده ثقة فيهم لدرجة إنهم بقوا يأكلوه دون ما يلبسوا الجوانتيات الجلد في إيديهم!.. زيادة في ثقته فيهم اللي كانت بتزيد يوم عن يوم؛ "هوكينز" بقى يحب اللعب معاهم وده شىء شِبه مستحيل بالنسبة لحيوان بري شرس.. اللعبة المفضلة بينه وبينهم كانت شد الحبل.. كانوا بيجيبوا فردة شراب قديمة ويمسكوا طرفها ويخلّوه هو يمسك الطرف التاني.. هو يشد بمنقاره وهما يشدوا بإيديهم.. ماكنش بيسيب الطرف بتاعه أبدًا إلا لما هما يسيبوا!.. "هوكينز" ماكنش بيحب يخسر.. التحدي الأكبر لـ "هوكينز" واللي كانت "بيني" و"سكوت" بيلاحظوه هو نظرته بيأس لـ الفتحة اللي فوق القفص.. في الأول أو في الآخر هو حيوان بري حياته الحقيقية برة مش في قفص.. عشان كده كل يوم كان بيحاول يخرج.. يمسك السلك بمنقاره ويطلع حتة حتة عشان يزيح جسمه بره القفص.. يوصل وقبل ما يخرج جسمه مايشيلهوش فيقع جوه القفص تاني.. كان بيحاول كل يوم مرتين وهما كانوا سعداء بمحاولاته.. محاولة في محاولة هوب في يوم خرج بره القفص من الفتحة اللي فوق وبقى يقدر يقف فوق القفص.. طب وبعدين!.. المشوار لسة طويل واعتماده على جناح مكسور بالكامل شِبه مستحيل.. كان واضح إنه اكتفى بالنجاح اللي حققه ده، وبقت أغلب قعدته فوق القفص خلاص.. يتمشى فوق القفص..  يلعب.. ياكل.. يرتب ريشه بمنقاره.. قشطة فل يعني إحنا كُنا فين وبقينا فين.. لحد ما في مرة "بيني" و"سكوت" سمعوه وهو بيصرخ بصوت عالي وبشكل مزعج.. بصوا عليه لقوه باصص للسماء فوق والمفاجأة كانت إن الصقر الأنثى اللي كان طاير معاه قبل الإصابة طايرة فوقه وبتحوم وبتصرخ هي كمان كإنها بتناديه!.. "هوكينز" بيتنطط بيحاول يطير عندها بس مش قادر.. "سكوت" سأل أمه وهو بيشاور على الصقر التاني: (ماذا ستفعل عندما تدرك عدم قدرته على الطيران؟).. "بيني" ردت: (أظن أنها ستحبط وترحل، ما علينا سوى أن ننتظر ونرى).. الحقيقة إنهم مانتظروش كتير لإن تاني يوم الصبح مباشرةً ماكنش "هوكينز" موجود أساسًا!.. لا في الجنينة ولا في القفص ولا في المكان كله.. بدأوا يسألوا نفسهم خرج إزاى؟.. هيقدر يعيش؟.. هيعمل إيه مع القطط البرية والذئاب؟.. هيقدر يقطع اللحم لوحده وهيصطاد إزاى؟.. بعد أسبوع و"بيني" واقفة في المطبخ بصت على شباك مطبخها لقت "هوكينز "واقف وبيصيح وبُقه مفتوح كإنه بيناديها.. صرخت: (يا إلهي إنه جائع)..خدت شوية لحمة مفرومة وكورتها كور صغيرة وبدأت تأكله بإيديها وبعد ما خلص فوجئت إنه بيتحرك لـ بره المزرعة وهو بينط زي الغراب -(يعني بالبلدي بيحجل)- لحد ما خرج بره خالص للغابة.. راقبته بعينها لقت رفيقته الصقر التاني ماشية قدامه وبتتنطط زيه وبتطلع صوت شبه الصفير كإنها بتشجعه!.. وهكذا لحد ما اختفوا.. كل كام يوم كان يظهر "هوكينز" ييجي البيت ياكل ورفيقته تنتظره بره يخلص ويمشوا.. "بيني" وابنها زعلوا بس اللي كان مصبرهم إن كده كده "هوكينز" مسيره كان يمشي ويرجع لحياته البرية تاني يمكن بس اللي فضل جواهم شوية قلق عليه.. بعد 9 سنين من القصة دي فيه واحد شاب زميل "سكوت" بيقول له بعد ما وصل عمره لـ 23 سنة: (أتذكر الصقر الذي كنت تربيه أنت وأمك منذ فترة؟).. "سكوت" مسك دراع صاحبه وسأله وهو بيهزه بعنف: (هل رأيته؟).. صاحبه قال: (نعم أظنني رأيته في غابة المدينة المجاورة إنه يشبهه كثيرًا بنفس جناحه المكسورة).. "سكوت" راح لـ أمه وقال لها: (يجب أن نذهب لإلقاء نظرة يا أمي).. "بيني" ماكانتش منتظرة اقتراح ابنها وخدت عربيتها واتحركوا ناحية الغابة بتاعت المدينة التانة عشان يدوروا عليه وسط الشجر.. مساحة ضخمة مستحيل يقدروا يغطوها بحثًا لوحدهم بس أهم كانوا بيحاولوا.. بعد لف ودوران كتير ومتعب فجأة بصوا وراههم وشافوا أنثى الصقر رفيقة "هوكينز" واقفة فوق جزع شجرة!.. واقفة لوحدها و"هوكينز" مش جنبها ولا حواليها.. ساعتها "بيني" قالت لـ "سكوت" بثقة: (هوكينز بخير يا ولدي).. سألها: (كيف عرفتِ؟).. ردت وهي بتشاور على أنثى الصقر: (كانت بجواره دائمًا وبسببها نجا المرة السابقة وبسببها سينجو كل مرة).. "بيني" بتقول إنها وهما ماشيين هي وابنها وهي حاطة إيديها على كتفه وقبل ما يركبوا عربيتهم لمحت بطرف عينها عينين لونهم أصفر بتراقبهم من ورا الشجر بمنتهى الصمت.. والحب.

 

 

● الموت قرار.. الموت في معناه العام مش الموت الوفاة لإنها مكتوبة علينا كلنا.. الموت اللي هو (الكسرة، الضعف، الخذلان).. كلنا خدنا وياما لسه هناخد خوازيق ومقالب.. بس الفيصل دايمًا إن مفيش مخلوق حي في إيده قرار موتك غيرك.. لما قرأت مقال "بيني" اتأكدت إن فيه ناس مؤذية لله كده في لله!.. زي الصياد.. بس مع كل حد بيإذي من غير سبب بيطلع لك حد ابن حلال بيخدم ويساعد ويسند برضه دون سبب.. بيفضل فاكرك حتى لو انت نسيته أو ماكنتش منتظر لقطة ظهوره.. دي سنة الحياة.. فيه حاجات بتبدأ حياتها يوم كسرها فبتبقى أقوى وأقيم وأجمل بعد كسرتها.. أنت بتتولد 3 مرات في حياتك.. مرة من والدتك.. مرة بعد أي أزمة كبيرة تواجهك.. مرة لما تلاقي نصك التاني.. عمومًا.. مش كل كسرة بتنهي حياتك، ولا ينفع نختصر الناس كلها في شخص مؤذي، ولا فيه بشر في إيده يكتب نهاية قصتك، ولا هتمر على الدنيا دون ما تقابل العوض والسند.