رئيس التحرير
محمود المملوك

موضوعية الإعلام بين الإثارة ومعدلات المشاهدة

هناك مبدأ أساسي يعتبر من كلاسيكيات التعليم في كليات الإعلام  وهو "ليس الخبر أن يعض الكلب رجلًا ولكن الخبر أن يعض الرجل كلبًا!" هذا المبدأ من أوائل ما تعلمناه من مبادئ الإعلام، فيجب أن يمتاز الخبر الذي يتم تقديمه بالإثارة والتشويق والحداثة لكي يكون جاذبًا للجمهور، لكن هل تعني الإثارة عدم الموضوعية والمصداقية!؟
مصطلحا "الموضوعية" و"المصداقية" من أكثر المصطلحات التي يكررها القائمون على وسائل الاتصال، بل ويتشدق بها الكثير من الإعلاميين بأنهم  يلتزمون بهاتين القيمتين، إلا أن الواقع يؤكد أن الإعلام المصري يشوبه الكثير من الممارسات التي تخل بالموضوعية والمصداقية.
والموضوعية هي نقل الأحداث بحيادية وتجرد وبصورة متوازنة، وإعطاء كل الأطراف المعنية بالقضية مساحة لإبداء الرأي، حتى يتسنى للقارئ أو المشاهد الحصول على كل المعلومات المتعلقة بها، وعدم إقحام الإعلامي لرأيه الشخصي في المادة الإعلامية (المكتوبة أو المقروءة). أما مصداقية الوسيلة الإعلامية فهي نتاج تراكمي لالتزامها بتحري الموضوعية في ممارستها الإعلامية، حتى يتشكل لديها رصيد من المصداقية تراهن عليه في كونها تلتزم بالموضوعية والاتزان في الطرح، وتبتعد عن ممارسة الفبركة والتضليل وتشويه الحقائق.
والمتابع للإعلام المصري في الفترة الأخيرة يجد أنه تحول إلى تجربة ابتعدت تمامًا عن جوهر العملية الإعلامية من نقل أخبار بكل موضوعية ومصداقية، والعمل على تثقيف المواطنين ونقل التراث المجتمعي، والعمل على ترفيههم أيضا بما لا يخل بالمعايير الأخلاقية السائدة في المجتمع، فتحول الوضع لخلاف ذلك تمامًا فأصبحنا نرى المذيع الذي يقحم رأيه في كل قضية وموضوع، وكأنه هو الخبير وصاحب المعرفة الواسعة وغيره هم الجهلاء، وأصبحنا نرى اهتمام القنوات بالتركيز على القضايا المخلة للتماسك الاجتماعي بهدف زيارة معدلات المشاهدة ورفع معدلات الإثارة، لتتوارى الكثير من القيم الايجابية في المجتمع ويحل بدلا منها قيم الانحطاط والتشوية، ليشعر المتابع أنه أصبح يعيش في عالم من المسوخ لا يوجد به خير. هذا بالإضافة لتصدر الشاشات أشخاص ليسوا أكفاء ليكونوا هم الاعلاميين الذين يوجهون لثقافة استهلاكية تعتمد على المظهر والجوانب الفارغة من المضمون.

كل هذا أدى إلى ظهور تجربة إعلامية جديده تسمى بالإعلام البديل، وهو الاعلام الشبكي الذي أصبح فيه الشخص العادي هو صانعًا للخبر ومقدمًا له، في تجربة جديدة يحاول من خلالها المواطن أن يعوض ما فقده من الإعلام التقليدي، إلا أن هذه التجربة أيضا يشوبها الكثير من المحاذير خاصة إذا توارت قيم الموضوعية والمصداقية أيضًا، لكن قيم الموضوعية هنا قيم فردية تعتمد على توجه الفرد وليست مؤسسية.

إن من غير المجدي أن تُواصل وسائل الإعلام التقليدية ممارسة أسلوبها القديم إن أرادت أن تحافظ على ما بقي لها من جماهيرية وحضور عند أفراد المجتمع. فالبعض لا يتابع الإعلام التقليدي إلا لمعرفة الأخبار الرسمية وأنشطة الدوائر والمؤسسات، ويزداد عزوفه عن الإعلام التقليدي عندما لا يجد فيه أحداثًا مهمة تدور من حوله، أو عندما تُعرض له وجهة نظر أحادية في شأن وطني. فلا عجب حينها إن تحول الجمهور إلى الإعلام الاجتماعي ليتعرف من خلاله على شؤونه وقضاياه... وللحديث بقية.