رئيس التحرير
محمود المملوك

شهرة ونجومية دون قيمة

في مراحل سابقة من تاريخ مصر، كانت الشهرة والنجومية غاية بعيدة المنال، تأتي بعد حياة من العمل والإجادة والتفوق في ميدان ما، وتخلق للإنسان قيمة معنوية خاصة، ورأس مال رمزي قي سياقه ومجتمعه، كما تهبه منافع مادية، وتجعله شخصية عامة، يُنظر إليها باحترام وتقدير، ويصير قدوة ومثلًا أعلى للكثيرين.

صحيح كانت هناك حالات استثنائية لشهرة تأتي من الخروج على القانون والعرف والتقاليد، وعبر ارتكاب سلوكيات وأفعال يرفضها المجتمع، لكنها كانت شهرة مذمومة تجلب العار وقلة القيمة على صاحبها وأهله، وتجعله مهما حقق من مكتسبات مادية مستهجنًا ومرفوضًا من الجميع.

وهذا يعني أن الشهرة والنجومية كانت فيما مضى وحتى منتصف سبعينيات القرن الماضي تُؤسس على امتلاك صاحبهما لمواهب ومهارات حقيقية، يقوم على صقلها وتطويرها دائمًا، ويعمل بصبر واجتهاد في مجاله المهني، لكي يتقدم وينجح، ويحتل الصدارة، ويصبح ملء السمع والبصر، وموضع محبة وتقدير المجتمع، سواء أكان هذا الشخص فنانًا ومطربًا أو صحفيًا أو أديبًا أو مفكرًا أو سياسيًا أو رجل مال وأعمال.

وهذا يعني أنها كانت شهرة ونجومية مؤسسة على مهارات وقيم إيجابية كثيرة، وصانعة وملهمة لقيم إيجابية أكثر؛ فلا نجومية حقيقية دون امتلاك قيمة إنسانية ومهنية وأخلاقية وثقافية.


ثم حدثت في منتصف سبعينات القرن الماضي في مصر متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، نتج عنها ظاهرة في منتهى الخطورة، جسدت بداية الانحطاط فيه، وهي عدم وجود معايير واضحة للصعود والترقي المهني والاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي غياب معايير  واضحة للشهرة والنجومية.

وقد أدت هذه الظاهرة إلى تشكيل طبقة "مخملية رثة" في المجتمع المصري، لا هي طبقة ارستقراطية ولا متوسطة ولا طبقة شعبية؛ بل طبقة جديدة مزجت بين أسوأ ما في الطبقات الثلاث، وصنعت نجاحها ووجودها عبر الفهلوة والمحسوبية والشطارة واللعب بالبيضة والحجر، وابتذال كل قيمة.

وهذه الطبقة امتلكت الكثير من المال والنفوذ، دون أن تملك ثقافة حقيقية؛ ولهذا شرعت هذه الطبقة "المخملية الرثة" بعد ذلك في تأسيس مناطق نفوذها وتجمعها، وصنع ثقافتها الخاصة وفنها، وصنع نجومها ورموزها الذين ابتذلوا بأشخاصهم وسلوكياتهم مفهوم النجومية والشهرة المؤسسة على قيم حقيقية، وجعلوها شهرة مصنوعة بإتقان، ومؤسسة على "الأفورة"، والخروج على السائد والمألوف، والفضائحية وتعرية الذات، ونشر الأسرار الشخصية؛ بحيث أصبحت الشهرة في حالات كثيرة عند هؤلاء، مُنتجة "لقلة القيمة" ومؤسسة عليها.

وهؤلاء "النجوم الظواهر" موجودون اليوم في مختلف جوانب حياتنا، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى موقع يوتيوب، وهم نجوم زائفون، بلا منجز حقيقي أو قيمة، ووجودهم ونجوميتهم ابتذال لمفهوم النجومية ولكل قيمة حقيقية.

كما أن وجودهم صار يمثل  إهانة لوجه مصر الثقافي والحضاري، ودليل مرض ثقافي أصاب حال ووعي هذا الوطن وأبنائه.

وهذا الوضع جعل المحبين لمصر من أبنائها المهمومين بماضيها وحاضرها ومستقبلها، يتساءلون:

ما الذي أصاب مصر؟

وهل عقمت عن إنجاب عظماء في كل مجال كما كانت تفعل في الماضي، ليتصدر مشهدها، ويصبح نجومها "سقط المتاع" الذين لا قيمة لهم، ولا خير فيهم للبلاد والعباد؟

وهل لا يزال جهاز المناعة الحضاري للمصريين -رغم ما أصابة من ضعف في العقود الأخيرة-  قادرًا في القريب العاجل على انتاج (أجسام مناعية مصرية أصيلة) يمكنها تصحيح مسار ثقافة ووعي المجتمع؟

أظن أن البحث عن أجوبة لتلك التساؤلات صار اليوم ضرورة حياة وتجديد وإصلاح، وخاصة أننا بصدد بناء "الجمهورية الجديدة" التي جعلت من إعادة بناء الإنسان المصري، وتجديد معرفته وثقافته ووعيه على أسس جديدة، أولوية قصوى.