رئيس التحرير
محمود المملوك

قصة الإنسانية في رواية أرضُ الله «عمر بن سيّد»

أخذتني رواية «أرضُ الله» إلى عالم آخر، سحبتني لعام 1770 حتّى نهاية عام 1836ميلاديًا، شعرتُ لحظتها بأنني ذُبحت من الوريد إلى الوريد، لم يكفها ذلك بل أصابتني عند نهايتها بغصَّةٍ في القلب حتّى أنني بكيت بحرقة؛ لأنني توحدتُ مع الشخصية، أدركتُ لحظتها أنني سأموت شوقًا لمجالسة عمر بن سيّد مرةً أخرى، الرواية لم تكن مجرد سيرة غيريّة، ولم تكن مجرد عملٍ إبداعيٍ عادي لكنها رواية متكاملة الأركان، بدأتُ في قراءتها يوم السبت الموافق 14 أغسطس، شهرالموجة الحارة لعام 2021 ميلاديًا في أحضان القاهرة الساحرة، عشقتُ تلك الأيام الجميلة التي قضيتُها في تتبع أثر أقدام بطلها على رمال الورق، عشقتُ صوته كراوٍ عالِمٍ يسرد لابنه الغائب، ولقارئٍ ملازمٍ له كالظل لكن بصره لا يُدركهُ، عشقته بوصفه ابنًا مُطيعًا، وعشقته بوصفه طالبًا مخلصًا في عمله، وبصفته زوجًا مخلصًا للجميلة المعشوقة «آمارا»، وغرمتُ به بوصفه أخًا حنونًا على «آمنة» التي تعذب بسببها لسنوات، بسبب تأنيبه لضميره؛ حيث تركها لأنياب التمساح، ولسذاجة انخداعه في دموعه الكاذبة حيث نسي أنها "دموع تماسيح"؛ ليقول في مونولوجه النفسي الداخلي مُحدثًا ابنه بضمير الغائب: "ظلّتْ أختي نقطة ضعفي، أعترفُ بذلك، لو كانتْ لكَ أختٌ وكبِرتَ معها ستدرك معنى ما أقول؛الأخت رائحة الشّذى في دُخان الأمكنة، وشجرة الظّلّ في لَهَب الهجير "أنا أيضَا تعلقتُ بآمنة؛لأنها تذكّرُني بحبي الجمّ لأخي الأصغر المُغترب، حتى أنها في تعليمه لمبادئ الفروسية وفي أخبار أخلاق الفارس لأخيها؛ ذكّرتني بقصة اختيار أبي وأمي لاسم أخي "أدهم" حيث كان يطلق الاسم على فرسٍ لصحابىٍّ جليلٍ؛ لتقول لعمر: «لا تركب الخيل وأنت شبعان، ولا وأنت جائع، ثلثُ البطن خير. وأحسن أوقات التدريب هي الضّحي. وإذا أردت أن تركب الخيل فانظر في عينيها أولا، وألقِ عليها التحية ثُمّ امسح على عنقها، يا أخي ما ضرنا لو جعلنا الخيل لنا خليلًا». 

مسحورٌ أنا، كأنني خرجت من مدينتي إلى فوتاتور مسحورة بسحر القصة، ومأخوذة لعالم سرمديٍ حيث كلمات الرواية وشعريتها السردية، كُلّ ذاك دون وعيٍ منِّي. لم تكن تلك المرة الأولى التي أقرأ فيها للكاتب الأردني أيمن العتوم ولن تكن الأخيرة؛ لأنه قادرٌ على جذب القارئ لعالمه بكُلِّ انسيابية، كنتُ أعرف أن لا نهاية لحُبِّ وعشق القراءة لأن «الكتاب خير جليس» ولأني وجدته الأنيس في وحدتي الغارقة في جُبِّها، كنتُ أعرف أن من بدأ تلك الرحلة لن يتركها إلا عند الموت، لكن برغم ذلك لم أكن أعرف أنني سأغرق بسهولةٍ مع الغارقين في عالم حب التعلق بالشخصيات، وبأنني سأُجن بجنون البحث عنهم بالحياة، لعلِّي أجد صورة مشابهة للشخصية التي تعلقتُ بها، بالفعل دخلت أبحث على محرك البحث جوجل عن صورة لـ عمر بن سيد، وقمتُ بطابعتها بأستوديو قريبًا من بيتي بمدينة الشروق، ثُمّ قرأتُ الفاتحة على روحه الطاهرة. هذا الرجلُ العفيف الرومانسي الذي قال عن الذكرى: "إنّ الذّكريات الّتي هربتُ منها في الماضي هي الّتي تُطاردني الآن، أسوأ ما في الذّكريات المُرّة أنّها قد تغفو ولكنّها لا تموت، قد تنساها ولكنّها لا تنساك!"، ليعبّر فيها عن ألمه وأوجاعه بطريقة فلسفية تخصّ حياته حيث لخّص ديناميكية الزمان في كلمةٍ موجزة هي «الذكرى».

هذا الرجلُ صاحب الروح الشجيّة أحب تهجد الليْل بمدينة "توبا" أثناء طلبه العلم؛ ليقول: "فقمتُ مرةً في ليلةٍ من ليالي كانون الثاني شديدة الظّلام قارسة البرودة، وشعرتُ أنني خيرٌ من هؤلاء المُريدين الذين يَغطون في هذه اللّيلة الظلماء في النوم". هذه الروح التي تشجع القارئ على تأدية فريضة الصلاة؛ فتكتمل اللوحة الفنية بمساعدة جميع العناصر الإنسانية المكثفة خلال مجموعة من الجمل فتُجر عربة المكان في ركِابهِا فلسفة الزمان لتحث على مشاعر إنسانية وجدانية فيها الكثير من الخشوع وإيقاظ رغبة روح العبادة داخل المرء؛ حيث قال: "... وسرت الكلمات السماويّة التي شعرتُ أنها تتنزل للتّوّ في جسدي، فسرى فيه الدّفء والطمأنينة". 

هذا الرجل المخلص لعائلته بكوخ العبيد، مخلصٌ للعمّ «دانيال» والعمة «تيرى» رفض أن يرحل من تشارلستون الظالمة إلى كوخ أوين حيث مزرعة سيده المبشر بالمسيحية بــ "نهر كيب فير" بمقاطعة «بلادن» في ولاية كارولينا الشّمالية، بدأت قصته عندما خرج من المخطوطة التي اشتراها دكتور أيمن من السنغال، خرج ليذكره بأنه سكن مكتبته، وبأنه سئم الانتظار في تلك الزاوية المعتمة على رفّ مكتبته في مقبرة النسيان أو لنصف كما وصفت رواية "ظلّ الريح" التي تنتمي لعالم الأدب الروسي انتظره في "مقبرة الكتب المنسيّة" كالتي أُلقيَ فيها خوليان كاراكس لسنوات طوال حتّى عثر عليه بطل الرواية دانيال؛جاءه ليبلغه أنه يرغب أن يكتب عنه، وفي الوقت ذاته يعاتبه لأنه نسيَه وجعله ينتظر لمدة عشرين عامًا، مثلما انتظر تحريره من عبوديّة سيده الأبيض "جيم أوين" ومن قبله السكّير المتوحش "جونسون" الذي ذاق على يده كل مظاهر التعذيب والتغطرس والهمجية، في نهاية المطاف زار عمر بن سيد العتوم في المنّام، وطلب منه أن ينشر حكايته، وحكاية عائلته في فوتاتور، وقصة تعلمه وتعبده وتهجده الليل في مدينة "توبا" الطاهرة طالبًا علم علمائها لمدة خمسة وعشرين عامًا، طلب منه أن يبلغ العالم أنه سيد قومه ابن سيد القوم، وبأنه من نسل الأشراف، طلب من العتوم الكثير وكان هذا عزًّ الطلب. 


يبدو أنني لا أكتب مقالة نقديّة تحليليّة فحسب، لكني أحاول نقل الصورة الإنسانية لتلك القصة المأساوية لشعب ذاق مرارة الإهانة عندما قرر المغتصب الفرنسي في فترة من فترات التاريخ عام 1807 ميلاديًا "اصطياد" أصحاب البشرة السوداء وأخذهم للبيع في مدينة "غوريه"؛ ليخبرنا عمر عن ذاك المكان المغلق بقبو السفينة المتجه إليها: "مشى القارب بكُتلنا اللحمية السوداء، ومعنا حُراسُّنا البيض، يتهادى في الماء باتجاه جزيرةٍ صغيرةٍ في البحر. شهقتُ أول ما رأيتها من بعيدٍ في البحر إنها جزيرة الموت والرعب والجنون، إنها جزيرة غورية، قصدتُ كلمة اصطياد التي تخص ذوات الأربع؛ لأنهم كانوا يعتبرون كُلَّ إنسانٍ بهذا اللون مختلفًا عنهم، وبأن الشعوب الإفريقية همج مستوحشون لم يصل لهم العلم، وبأنهم محدودو القدرات الفكريّة فلا يعقلون، إضافة لذلك ليس لهم حق في الفهم، رغم أنهم شعوب تمتعت بوصل نور العلم ورسالة الإسلام. 

قصة عمر بن سيّد أظنها كانت رسالة القدر السماوية للبشريّة كُلِّها، فبرغم مرور الزمان نقل لنا قصته عبر مخطوطاته العتيقة المكتوبة بالعربية فهي موجودة حاليًّا بالكونجرس الأمريكي أي في عقر دارهم، لكن أظن أنها نالت حظها من التحريف سواء بالقشط أو الحذف أو القطع، إنها مخطوطات وكعوب وأوراق منفصلة تشهد على حياةٍ قاسيّة لرجلٍ تألم وشهد أوجاع شعبه من بني عرقه ونسله، فكتبها لينقلها لأجيال ستأتي من بعده، رغم أن هناك الكثير من المؤلفات والروايات والمسرحيات بل والأعمال الفكرية والبحثية التي تناولت حياة الرِّق والعبودية أشهرها كتاب جوستاف لوبن حضارة العرب ومترجمه عادل زعيتر، حيث وضع لوبن المصطلحات لتوضيحها، وليفرِّق بين مقاصدها؛مثل: الأمة، والعرق، والنوع، ويذكر أيضًا تاريخ الشعوب التي تعرضت للهجمات الوحشيّة نتيجة الاستعمار الأوروبي مفرقًا بينها وبين الفتوحات الإسلامية وقد أقرَّ جوستاف لوبن بأن حضارة العرب تأثرت بها دول أوروبا، حتّى البلدان وأرباب الديانات التي دخلوها، رغم إنكارهم- أي بعض المستشرقين- هذا الأمر، في محاولة لتزييف الحقائق، لكن التاريخ يثبت ذلك حينما اعترف جوستاف في مُستهل كتابه، حيث قال صراحةً عَنْ حضارة العرب: "إن القوة لم تكن عاملًا في انتشار القرآن، فإذا حدث أن اعتنق بعضُ الأقوام النصرانية الإسلامَ، واتخذوا العربية لغةً لهم، فذلك لِما رأوه من عدل العرب الغالبين مما لم يرَوا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل.


كان ذكر وسائل التعذيب بمخطوطة عمر بن سيّد خير دليل على التوحش الأوروبي في حق الأفارقة؛ مثل: الضرب والسحل والقتل، منها إلى مرحلة حرمانهم من التغوط والتبول، ومنها إلى رميهم فوق بعضهم البعض، ثُمّ إلى مرحلة التسمين تجهيزًا لمرحلة التوزين من بعدها التوسيم، تلك الأمور خير دليلٍ على ما أقر به لوبن؛ حيث ذكر عمر بن سيد المتلبس بروحه جسد وقلم العتوم: ".. يعلو صوت النشيش الناتج عن حرارة الحديد المحمى مع اللحم البارد، وينطبع الحرفان هناك، وقد بدؤوا بكهل قد جاوز الأربعين ولما علا صُراخه طالبًا الرحمة دبّ الخوفُ والذُّعر في قلوبنا، ومع أنّ بعضنا فكّر في الهرب أو المقاومة أو إلقاء نفسه في البحر إلا أنّ البنادق المصوبة والمسدسات الموجهة لم تسمح لنا بأن نفعل شيئًا مما دار في بالنا". منها إلى مرحلة ترويض السيد لعبده بعد شرائه، وهي مرحلة تسخيره كالخنزير للعمل في مزارع القصب والقطن، وهي مرحلة في قمة الإهانة والمهانة والجهل والشذوذ. 

ليس هذا وحسب، بل كان أصحاب البشرة السوداء يتعرضون للحرق وهم أحياء، أو يُدفنون بعد موتهم كأنها جثث لحيوانات نافقة: "... وأحدهم تُوفِّي في الأرض التي كُنّا نعمل فيها، دُفِنَ في إحدى حُفرهم، ورُدِمتْ جثته بالتّراب، كما لو كنت تردم جثة كلبٍ أو أى حيوان نافق"، أظن أن التعامل الوحشيّ مع جثمان الإنسان يذكرنا برحمة رسول الله عندما أوصى المسلمين: "لا تقطعوا شجرة.. ولا تقتلوا امرأة ولا صبيًّا ولا وليدًا ولا شيخًا كبيرًا ولا مريضًا.. لا تمثلوا بالجثث.. ولا تسرفوا في القتل.. ولا تهدموا معبدًا ولا تخربوا بناء عامرًا.. حتى البعير والبقر لا تذبح إلا للأكل"، كما أوصانا بعدم إجبار أحد على الإسلام، وهذا عكس ما فعله "جيم أوين" مع عمر بن سيد حيث عرض أوين على عمر أن يأخذ صكّ حريته في المقابل يقبل عمر بالمسيحية، والدليل الثاني على رحمة الإسلام من بعد رسول الله جاء عهد سيدنا عمر بن الخطاب الفاروق الذي فرق بين الحق والباطل رضي الله عنه؛ حيث أمرنا بحسن معاملة الآخر "لا تُسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ولا من خيرها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم" وقد أعطى الأمان لأهل القدس ومنح لهم حريتهم الدينية لكنائسهم.

أضف إلى ذلك صورة معاملة السيد للفتيات العذراوات ومضاجعتهن بأبشع صور لانعدام المروءة والإنسانية، بل إنها بمثابة وصمة العار في تاريخ التوحش الأوروبي؛ حيث يخبرنا العتوم عن ابن سيّد مصورًا ببراعة: "تقف الفتاة وهي ترتجف، يعاينها، يتلمس صدرها، وفرجها، ويتحسسُ بطنها، وهي تشدّ على أسنانها والدموع تنفر من عينيها، يأمرها ثانية: استديري، بل الطامة الكبرى أن الفتاة تُغتصب وتُباع مقابل زجاجة نبيذ "روم" وكانت تُرمى في زرائب العبيد التي تَخصّ زرائب الدواب والبهائم، ومع كل هذا تُميز بشريطٍ أحمري وضع على الرسغ أوفي العنُق. 

تلك الطريقة في المعاملة ما هي إلا دليلٌ قاطعٌ على معاملة الرجل الأوروبي للنساء حتى أن المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه قد أوضحت في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب" أن الرجل الأوروبي لم يكن يعرف معنى احترام المرأة، أظن أنه لا فارق إذن بين المرأة صاحبة البشرة السوداء أو البيضاء، فكتبت عن مدى تأثر الرجل الأوروبي في خطاباته لها ليقول "المخلص لكِ..." و"أحبك إلى الأبد" أنها عبارات تعلمها الغرب من الشرق؛ لأنهم أهل الكلمة والتعبير. يبدو أن التوحش طابعٌ متأصلٌ في تكوين الغرب والدليل "سجن أبو غريب" بالعراق وصمة العار الثانية التي شهد عليها التاريخ، ومظاهر التعذيب التي تعرض لها السجناء على يدّ القوات الأمريكية، فمن وجهة نظري أن التاريخ يدور في دائرة واحدة، الاختلاف يكون في عناصر القصة لكن الحكبة واحدة، وقد عبَّر عمر بن سيد عن ذلك بأن ثورة "جون براون" لتحرير العبيد وهو من البيض لم تحدث فرقًا في قوانين الرقّ، بل أن حملة ترشح (إبراهام لنكولن) لرئاسة أمريكا عام 1857م لم تكن سوى خطابات معسولة حيثتشدق في خطابه الأول؛قائلا: "إن العبودية مُدانةٌ خُلُقيًّا، ولكن الدستور لا يُخول الكونجرس إلغاءها". أثناء مناقشة عمر بن سيّد مع سيده "جيم أوين" عقب على خطاب المرشحكنوع من أنواع إثبات أنهم شعوب متعلمة تفكر وتستوعب مغزى كل كلمة، ووضح لسيده أن هناك فارقا بين الحرية في ذاتها التي تشبة فكرة الإيمان وبين خطابات الحرية، فعن أي حرية يتحدث المرشح ما دام أصحاب البشرة السوداء لم ولن يتح لهم الزواج بالبيض، ولا شغل الوظائف العامة! لكن قناعة عمر في مونولوجه:" كُلّ هذه الأغلال الّتي رُكِّبت على ظهري، وكُلّ هذه الأصفاد الّتي أُحكِمتْ حول قدَمَيّ لم تَخدِشْ طهارةَ الحُلم لديّ؛ أنا أحلمُ بالحرّيّة... أنا حُرّ. لا أرى في الوجود شيئًا يستحقّ العيش من أجله أجلّ من الحُرّيّة، تبدو حقيقةً ناصِعة وسط باطلٍ لا ينتهي، لطخةٌ من بياضٍ في سَوادٍ لا نِهائيّ!". 

أُكرر بل أُقر بأنني توحدتُ مع شخصية عمر بن سيد، بل كنت أجلس معه في كوخه وأسمع قصته دون أي كلل أو ملل، تألمت وأنا أراه يتجرع الألم والوجع في فضاء دفتي الكتاب، وأنا مسلوبة الإرادة لا أقوى على فعل شيءٍ له سوى كتابة مقالة تَجعلني أشعرُ بأنني قدمتُ تعاطفًا صادقًا لشخصه الكريم، عندما طويت الرواية بكيتُ بحرقة؛ لأنني ودّعتُ عمر بن سيّد إلى الأبد، تمنيت لو خفّفتُ عنه كل العذابات، أحببته بوصفه جدًّا أو أبًا وتمنيت لو قال لي مثل هذه الكلمات التي كتبها بيده لابنه الغائب: "كلّ ما أريدُه في هذه اللّحظة هو أنْ أقول لكَ: إنّني أحبّك، وإنّني تمنّيتُ أنْ تكبر بين يدَيّ.. وإنّني حلمتُ لياليَ طويلة وأنا أضمّك إلى صدري، وأتشمّم رائحتك، وأهتفُ باسمك".

قصة عمر بن سيّد هي ملحمة البحث عن الحرية هي قصة الإنسانية، أسَرَتنى بكُلِّ ما تحمل الكلمة من معنى، بل إنها جعلتني أستذكر كل الكُتب التي قرأتها عن الغرب والشرق، جعلتني أستشعر حقيقة أن الكتاب الذي لا يحرك داخلي شعورًا أو يستفز عقلي بفكرة كتاب لا يستحق إهدار الوقت لأجله، جعلتني قصته أمعن النظر في حياتي وفي الرسائل التي يرسلها الله لي فمنذ فترة قليلة علَّمتُ اللغة العربية للأجانب (تعليم العربية لغير الناطقين بها) في أحد المراكز التي تهتم باللغة العربية، وكانت قمة سعادتي عندما كنت أُعلم اللاجئين من دول مختلفة؛ مثل: غانا وموريتانيا وأريتريا، لم أكن أدري معاناة تلك الشعوب، اليوم أدركتُ كُلَّ شيءٍ، وعَلمتُ بأنها رسالة من القدر بأنني سأتعلق بشخصية الجدّ "عمر بن سيّد". حاولت أن أقطف من كل بستان داخل رواية العتوم وردةً، تمنيت الكثيرَ والكثيرَ من ضمنها الحريّة للإنسانية بكُلِّ طوائفها، في النهاية سأختم المقالة بمقولتي المُقربة لقلبي "أهم من فكرة الرواية الرسالة الإنسانية التي تُقدمها للقارئ وللمجتمع وللعالم، أظن أنها أرقى الرسائل التي يقدمها الإبداع الأدبي". وفي حقيقة الأمر إن العتوم كان أهلًا لها.