رئيس التحرير
محمود المملوك

ملايين مشاهير السوشيال ميديا وحقوق الدولة المصرية

ارتفع الإقبال على مواقع التواصل الاجتماعي بدرجة كبيرة، في السنوات القليلة الماضية، ليصل تقدير أعداد المشتركين بتلك المواقع بالمليارات، ومثلما كان لوسائل الاتصال التقليدية نجومها وروادها، بدءًا من الصحافة ثم الراديو والتليفزيون، بدأ الجمهور الجديد -الذي أغلبه من جيل الإنترنت- يبحث عن نجوم جدد مؤثرين في الفضاء الإلكتروني، يرشدونهم في اتخاذ القرارات، ونمط حياتهم بشكل عام، تلك الشريحة المستحدثة يطلق عليها(influencers)، أي المؤثرون، أو يطلق عليهم في بعض الأحيان “مشاهير السوشيال ميديا”، وهم الأشخاص الذين يقدمون محتوى في عدد من المجالات يكون أغلبه ذو طابع خفيف وكوميدي يتناسب مع طبيعة شبكات التواصل الاجتماعي الجديدة.

واللافت للنظر أن هؤلاء المؤثرين تحولت مشاركتهم من نشر المعلومات والمواد الترفيهية عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى استثمار، يحققون ربحية من دعم منتج استهلاكي يقبل عليه متابعوهم عبر المنصات الإلكترونية المختلفة، أو يجنون أرباحا طائلة من مشاهدات المحتوى الذي يقدموه عبر مختلف المنصات الشبكية، لتتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة للتربح وكسب الأموال، دون وجود رقيب على تلك الأموال الطائلة التي يتقاضونها.

وعلى الرغم من أن تلك القضية ليست وليدة الفترة الحالية، إلا أنها أثُيرت بقوة وتم تسليط الضوء عليها في المجتمع المصري بعد أن بث أحد أفراد "اليوتيوبر" نحو 7 فيديوهات منذ نحو السنة، تتعلق بأبنته الوليدة، والتي تنوعت بين أول ظهور لها، وأول مرة تتناول فيها الطعام، وأول مرة يتم تغيير البامبرز لها!!، وغيرها من الموضوعات التي تخص المولودة الحديثة، وهو ما عرَّضه لهجوم حاد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، والذين اتهموه بالتربح من ابنته واستغلالها، فيما قال بعض المدافعين عن حقوق الطفل إنه عرض الطفلة للأذى، الأمر الذي أدى فيما بعد لتقديم العديد من البلاغات ضده، ما جعله يخرج بتصريح إعلامي ليقول إنه “يتربح من فيديوهات اليوتيوب والانستجرام، وهذا هو مجال عمله”، الأمر الذي شكل حالة هوس لكثير من الشباب ليصبحوا من مشاهير السوشيال ميديا لتحقيق ملايين الربح السريع، الأمر الذي يطرح تساؤلا في غاية الأهمية زهز: كم يجني هذا اليوتيوبر وغيره من صانعي المحتوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي؟ من خلال عدد من الأدوات الرقمية يمكن بسهولة معرفة ما يجنيه اليوتيوبر الذي بث فيديوهات لابنته، وذلك عبر حساب المشاهدات والسابسكرايبرز عبر أحد المواقع المخصصة لذلك الأمر، ويشير الموقع إلى أن متوسط دخله اليومي خلال شهر هو 14 ألفا و400 دولار، أي ما يعادل 244 ألفا و800 جنيه، أما عما تربحه من فيديوهات طفلته والتي ظهرت فيها، والتي بلغت مشاهدتها 17 مليونا و728 ألفا و328، فهي 113 ألفا و100 دولار، أي ما يعادل 2 مليون و922 ألفا و700 جنيه مصري. أما عدد السبسكرايبرز أو المتابعين لحسابة عبر قناته الشخصية،  فزاد نحو 178 ألفا و548 شخصا، خلال الأسابيع التي نشر بها هذه الفيديوهات، وهو ما يُعد رقما ضخما.

وتظهر التحليلات أن متوسط دخل هذا اليوتيوبر من قناة واحدة على "يوتيوب"، سنويا، وهي قناته الرئيسية ما يزيد عن 5 ملايين و200 ألف دولار، أي ما يعادل 88 مليونا و400 ألف جنيه. وعلى أساس شهري فإن متوسط دخله هو ما يعادل 430 ألفا و800 دولار، وهو بالمصري نحو 7 ملايين و323 ألفا و600 جنيه. حيث إنها بلغت عدد مشاهداته شهريا 107،697،300، وهي في ازدياد دائم بنسبة 90%، وأما السبسكرايبرز فهم 674،432.

 لك عزيزي القارئ أن تتخيل مقدار الثروة التي أصبح يجنيها مشاهير السوشيال ميديا من مشاهدات الفيديوهات التي يقدمونها عبر شبكة اليوتيوب وغيرها من المنصات دون أن يكون هناك رقيب ليظل السؤال الأساسي أين حق الدولة التي ينتمي إليها هؤلاء المؤثرون أو اليوتيوبر أو بمصطلح أعم صانعي المحتوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي؟.  

المكسب الرائج من الفيديوهات التي قدمها صانعي المحتوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت تستخدم بشكل تجارى بحت عبر الربح من الإعلانات الواردة إليهم، خاصةً أن هؤلاء المشاهير يستقطبون ملايين المتابعين، وبالتالي تتهافت عليهم الشركات للإعلان عن منتجاتها نظرًا للعدد الهائل من المشاهدات التي تحققها مقاطع الفيديو التي ينشرونها. ويجب جميعا أن نقر أن مشاهير مواقع التواصل سحبوا البساط من وسائل الإعلام التقليدية، وأصبحوا ذو شعبية كبيرة من خلال منصاتهم الإعلامية الحديثة وبناءً عليه يجب على الدولة أن تتخذ خطوات لتقنين تلك المهنة، حيث أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت نشاطًا تجاريًا للأشخاص الذين يحظوا بعدد كبير من المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي فيجب أن يقوم المجلس الأعلى للإعلام بالإعلان عن لوائح تنظيمية جديدة، تشير إلى أن "مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي داخل جمهورية مصر العربية"، الذين يكسبون النقود من الترويج للمنتجات والشركات وحتى التربح من عدد المشاهدات الخاصة بهم، سيحتاجون إلى الحصول على ترخيص إعلامي، مماثلة لتلك التي تحصل عليها الصحف والمجلات، ويجب التأكيد هنا على أن تلك الإجراءات لا تهدف إلى تقييد الإبداع، لكن لضمان أن تكون الأرباح التي يجنيها هؤلاء الأشخاص مقننة ومنظمة، بالإضافة إلى ذلك أيضا الهدف من هذه الإجراءات يتمثل في تعزيز مساهمة الوسائط الإلكترونية في صناعة النشر، وتوفير الحماية القانونية للمنافذ وتعزيز قدرتها التنافسية، حيث تهدف هذه المبادئ التوجيهية إلى توفير “محتوى إعلامي متوازن ومسؤول يحترم خصوصية الأفراد، ويحمي فئات المجتمع المختلفة –لا سيما الأطفال– من أية تأثيرات سلبية محتملة”، ومساعدة قطاع الإعلام في مصر على مواكبة التطورات المتسارعة في مجال الإعلام الرقمي، لإثراء المحتوى الرقمي وتنظيمه، وضمان احترام القيم الدينية والثقافية والاجتماعية السائدة في الدولة، وتعزيز حرية الرأي والتفاعل البنّاء في فضاء الإعلام الإلكتروني”.

ومع تلك الإجراءات التنظيمية يجب أن يتم فرض عقوبات لعدم الالتزام بالترخيص، بحيث تكون هناك غرامات كبيرة في حالة عدم الترخيص، ثم يتلقى الانفلونسر التحذير الرسمي، وإذا لم يستجب يتم غلق موقع الويب أو الحساب الشخصي له.

وعلى الرغم من إن إعلانات "جوجل" و"فيس بوك"، و"انستجرام" والمنصات الإلكترونية المختلفة المتحصلة من السوق المصرية، سواء الحسابات الخاصة بالمشاهير أو غيرها في مصر تخضع بالفعل وفقا للقانون لقانون ضريبة القيمة المضافة، ونسبتها 14%، إلا أن مصلحة الضرائب المصرية لا توجد لديها آلية لتحصيل تلك الضريبة حتى الآن والتي ستقدر بالملايين.

التحول للمجتمع الرقمي في مصر يجب أن يتم النظر إليه من مختلف الأبعاد، خاصة الإعلامية منها، مع التركيز على البيئة الإعلامية الرقمية الحديثة لوضع اطار تنظيمي لها، مع ضرورة أن تقوم الدولة بخلق كيانات إعلامية على البيئة الرقمية الحديثة خاصة عبر شبكات التواصل الاجتماعي والعمل على جعل محتوى هذه المنصات جاذب للفئة الشابة وأن يكون ذو محتوى إبداعي بعيدا عن الروتين والرتابة، الأمر الذي سيكون لها انعكاسات مالية واجتماعية كبيرة للدولة المصرية.