رئيس التحرير
محمود المملوك

الإنسان الهليكوبتر وبداية الانحدار العام في مصر

إن مجتمعنا يموج بعشرات الظواهر الاجتماعية والسياسية والفكرية. وما أحوجنا لكل طاقة نور من كل عقل يفكر؛ لنرى أين نحن، وإلى أين نسير؟

هكذا تحدث أستاذ الفلسفة الراحل الدكتور زكي نجيب محمود، في منتصف ثمانينات القرن الماضي، عندما حل ضيفًا على برنامج "شاهد على العصر" الذي قدمه الإذعي القدير عمر بطيشة على أثير البرنامج العام بالإذاعة المصرية على مدار عقدين من الزمان.


هذا البرنامج كنت استمع إليه أسبوعيًا، مساء كل يوم أحدِ، وأنا في مرحلة الدراسة الثانوية والجامعية، وقد ساهم بقدر كبير في إثراء لغتي  وأفكاري وثقافتي، وربطي بتاريخ وطني، وهموم ومشكلات مجتمعي، كما منحني المعرفة والقدوة والمثل الأعلى.

في ذلك الزمان، سجلت تلك الحلقات على أشرطة الكاسيت التقليدية، لأُعيد الاستماع إليها مرارًا وتكرارًا، لكي أستوعب تمامًا ما قيل فيها، وأحقق أقصى استفادة ممكنة منها.


ومع ظهور الانترنت بدأت بعض حلقات هذا البرنامج تجد طريقها إلى موقع يوتيوب، فأعدت تحميلها والاحتفاظ بها على وسائط تقنية أكثر حداثة، لأعود للاستماع إليها من وقت لآخر.

ومؤخرًا، استمعت مرة أخرى للحلقة التي استضاف فيها الأستاذ عمر بطيشة، الراحل الدكتور زكي نجيب محمود؛ فوجدت نفسي كأني استمع إلى محاضرة علمية رصينة في النقد الفكري والاجتماعي.

في هذه الحلقة تحدث الدكتور زكي نجيب محمود عن  أهم الظواهر التي طرأت على المجتمع المصري في زمنه، وحدد بدايتها وأسبابها وأصولها ونتائجها.

وكانت الظاهرة الأكثر أهمية التي رصدها، هي ظاهرة انعدام معايير حقيقية للصعود المهني والمالي والطبقي في المجتمع المصري، وسيادة ثقافة المحسوبية والفهلوة والشطارة، والصعود على أكتاف الآخرين.

وشرح كيف أدت تلك الظاهرة إلى انعدام الإحساس بالآخر في المجتمع، وإلى أن يتصرف الإنسان المصري في حياته، كما لو كان وحده في مصر، وليس هناك غيره، وكأن لسان حاله ومقاله: أنا ومن بعدي الطوفان.

وذكر الدكتور زكي نجيب محمود أن الإنسان المصري كان من طبيعته عبر تاريخه الاجتماعي والحضاري، أن يضع الآخرين عندما يتصرف في اعتباره، وكان يصعب جدًا على المصري أن يدوس على طرف الآخر، سواء أكان هذا الآخر الجار أو الزميل في العمل أو المشارك في السوق، وغير ذلك.

كما كان السائد والمألوف في مصر، عندما يتخرج أحدُ في المدرسة أو الجامعة أن يبدأ حياته العملية من الصفر أو من درجة دنيا على كل حال لأنه صغير، فيعمل ليصعد درجة درجة، حتى يصبح موظفًا كبيرًا أو تاجرًا غنيًا، أو عالمًا وصل إلى الكثير من المعرفة، ولا يمكن أن يصل لذلك دون مقدمات في لمح البصر.


ثم جاءت متغيرات اجتماعية وسياسية في سبعينات القرن الماضي، مكّنت هذا الموظف أو التاجر الصغير أو المثقف، من الوثوب من أدنى السلم إلى أعلاه، طائرا فوق الدرجات الوسطى بالهليكوبتر.

وبالطبع - كما ذكر الدكتور زكي نجيب محمود - فإن هذا الموظف أو التاجر أو المثقف الهليكوبتر، وصل بمهارة أخرى لا تعتمد على العمل الجاد.

وصل بمهارة أخرى غير أن يكابد عثرات وعقبات الطريق التي اختار أن يصعد به، بل هو يطير فوق العقبات بمساعدة آخرين من الأقوياء وأصحاب النفوذ.

وهذا الصعود الصاروخي، لا يمكن أن يحدث إلا على حساب آخرين جاهدوا وكابدوا متاعب وعثرات الطريق دون أن يصلوا إلى شيء؛ ولهذا فهم ينظرون بحسرة وخيبة أمل لمن وصل دون أن يعمل شيئًا.

ورأى الدكتور زكي نجيب محمود أن هذا المتغير النوعي المتعلق بظهور "الإنسان الهليكوبتر" كان بداية الانحدار والانحطاط في الأخلاق المهنية خاصة، والمجتمع المصري عامة. وبداية شيوع ثقافة اللامبالاة، وعدم إتقان العمل، وعدم الإيمان بجدواه بين المصريين.

وكان ايضًا بداية انتشار التسيب والفساد والرشوة، واغتصاب أموال الحكومة، وغيرها من أمراض اجتماعية.

رحم الله الدكتور زكي نجيب محمود؛ فقد حدد بكل تجرد وإخلاص في حوار إذاعي وبكلمات قليلة، أصل الداء في مجتمعنا، وبداية انحداره وانحطاطه، وأعطى في الوقت ذاته بشكل ضمني الدواء الذي يتمثل في حتمية محاربة الفساد وكل مظاهر استغلال النفوذ لتحقيق مصالح شحصية تُهدر الحق العام وحقوق الآخرين، مع ضمان توفير العدالة، وضمان تكافؤ الفرص بين الجميع، وربط الجزاء ثوابًا وعقابًا بالعمل وحده، والكفاءة وحدها.