رئيس التحرير
محمود المملوك

انقراض المثقفين

في ضوء المُتغيرات التي شهدها العالم منذ تسعينات القرن الماضي، وأبرزها انتشار ثقافة وقيم العولمة، والشركات العابرة للحدود، وتغير مفاهيم السيادة والوطن، وزيادة تأثير ونفوذ الإعلام المرئي، وطغيان ثقافة الصورة على ثقافة الكلمة، ثم ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح "المثقف الحقيقي الملتزم" يُعاني أزمة وجود وفاعلية، تُهدد بجعل المثقفين كائنات منقرضة، يمكن أن توضع بعض نماذجهم القديمة في "متحف للمثقفين"، لكي تشاهده الأجيال اللاحقة، وتعرف تاريخه ودوره في عصور سابقة.


و "المثقف الحقيقي الملتزم" الذي اتحدث عنه، هو الإنسان الذي يحمل وعيًا تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا نقديًا، ويتحمل مسؤوليته تجاه مجتمعه ووطنه، ويحرص على أن يدلي بدلوه في الشأن والمجال العام، ويُعلن على الملأ آراءه حول المدينة والمجتمع اللذين يعيش فيهما.

وصاحب هذا التوصيف، هو المفكر الفرنسي الراحل "ريجيس دوبريه"، ذكره في ثنايا كتاب "كي لا نستسلم" الذي ضم مجموعة حوارات إذاعية دارت بينه وبين المفكر السويسري جان زيغلر.

وهي الحوارات التي تم تجميعها بعد ذلك في كتاب منفصل، صدر عن منشورات (Arléa) في باريس 1994، وترُجم إلى اللغة العربية بواسطة رينيه الحايك وبسام حجار، وصدر عن منشورات المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء، عام 1995.

في هذا الحوار الفكري الرصين، قام "ريجيس دوبريه" بالتمييز بين "المثقف" و"الكاتب" و"العالم"، وذكر أن المثقف ليس هو الكاتب ولا العالم؛ فالكاتب لا يعنيه إلا العبارة الجميلة. والعالم يكفيه أن يؤسس حقلًا جديدًا للأبحاث والدراسات، في حين يحتاج الكاتب والعالم لكي يكونا مثقفين أن يكونا فاعلين في مدينتيهما، وأن يشاركا في الشأن العام، وأن يُتركا في مجتمعهما وسياقهما صدًى وأثرًا.

وهذا يعني أن الاشتباك مع الواقع والعصر وأحداث التأثير  الإيجابي في المجتمع، هما جوهر وجود ودور المثقف الحقيقي في رؤية المفكر الفرنسي "ريجيس دوبريه".

وقد اتفق معه في هذه الرؤية محاوره  المفكر السويسري جان زيغلر، لكنه بدوره قدم وجهة نظر إضافية جديرة بالتأمل حول واقع  وأزمة وجود ودور "المثقف" في العصر الراهن، فقال مخاطبًا ريجيس دوبريه:

"إنك تؤلف كتبًا وأنا أؤلف كتبًا. وأنت تُدرس وأنا أُدرس. ولكن في النهاية ما المنفعة من وجودنا؟

وما هو مستقبلنا العملي والقريب كمثقفين؟

إن المثقف يدخل في عداد الناس الذين لا يجيدون فعل شيء على الإطلاق، اللهم إلا الإنتاج الرمزي، وإنتاج الأفكار والكلمات. وهذه الأفكار تحتاج إلى من يُجسدها لكي تصبح موجودة، ولكي تصبح قادرة على تغيير الواقع.

كما أن الأفكار والكلمات تحتاج إلى حركات اجتماعية قادرة على تحويل الأفكار إلى قوى مادية يمكنها تغيير مجرى الأمور ومجرى التاريخ.

وحين تختفي وتغيب الحركات الاجتماعية، وحين تكون العقلية التجارية هي التي تحكم الخيارات الاقتصادية والانتاجية للدولة، لا يمكن لأفكار المثقف أن تتجسد وأن تؤثر في الواقع".

وهذا يعني أن المفكر السويسري جان زيغلر يرى أن قيام المثقف بدوره، وتفعيل أفكار في المجتمع، لا يكون إلا عبر طريقين:

الطريق الأول: اقناع المجتمع بأفكاره وخلق حراك اجتماعي يقوم بالضغط على السلطة، لكي تفعل أفكار المثقف الإصلاحية باستخدام أدوات الدولة.

الطريق الثاني: مد جسور التواصل بين المثقف والسلطة، لتتبنى أفكاره وخطابه النظري، وتقوم عبر استخدم أدوات الدولة بتفعيلها وتحويلها من خطاب نظري إلى مشروع متحقق على أرض الواقع.


وهذا الأمر  في ظني يصعب تحقيقه اليوم؛ فلا المثقف قادر على التواصل مع الناس والتأثير فيهم، لأنه مقصي بإرادته حينا، وعلى غير إرادته في أغلب الأحيان عن وسائل التواصل والتأثير الفعال.

ولا هو قادر أيضًا، انطلاقًا من أفكاره ومخاوفه حول حريته واستقلاليته، على القرب من السلطة، ومد جسور التواصل المستمر والمثمر معها. 

وقد أكد ريجيس دوبريه على هذا الواقع الذي يمثل أزمة وجود وفاعلية للمثقف، فقال:  "لا جدوى اليوم من وجودنا، ولا فاعلية لنا، ويجب علينا أن نتعايش مع هذه الفكرة.

إن المثقف الحقيقي صار مؤخرًا معزولًا عن الناس، وغير حاضر في وسائل الإعلام التي تصدرها مطلقو التوافه وبائعو الأوهام.

وإن تقنيات تأثير المثقف التقليدية (الكتاب والجريدة) قد تبددت في العقود الأخيرة بسبب تطور وتغير أدوات ووسائل الإعلام والاتصال التي تهيمن فيها الصورة. وهي أدوات غريبة عن أخلاق النخبة المثقفة؛ لأن أخلاق النخبة تكمن في الحوار العقلاني وفي الكتابة، وفي بناء تحليل منطقي للواقع وأحداثه ومتغيراته، وهذه أشياء مستبعدة في المجال الإعلامي".


وأضاف ريجيس دوبريه: "أصبح المثقف الحقيقي اليوم في حيرة من أمره؛ فهو يريد التأثير في العقول، حتى لا يخون وظيفته ودوره، وهذا لن يكون دون أن يُروج إعلاميًا. وإن رُوج إعلاميًا وخضع لسطوة الشهرة والحضور الدائم، فقد يتحول إلى ممثل فاشل ومتحدث حسب الطلب، وبذلك يخون أخلاقيات المثقف.

ولكن في الوقت ذاته، فالمثقف عندما لا يُروج إعلاميًا، وينعزل في برجه العاجي، ويصبح أسير صفاء عزلته واستغنائه، يخون وظيفته أيضًا؛ لأنه تخلى عن الالتزام وممارسة التأثير وخوض السجال العقلاني".

وهنا تكمن -من وجهة نظري- المُعضلة الوجودية للمثقف الحقيقي في عصرنا الراهن عامة، ومجتمعنا خاصة؛ فكلما زادت استقلالية المثقف قلت فاعليته وانفصل عن المجتمع والسلطة.

وكلما اقترب المثقف من السلطة، وصار حاضرًا بدعمها في تقنيات التأثير الحديثة  المؤثرة (الإعلام المسموع والمشاهد)، تهددت استقلاليته وحريته والتزامه بقول الحقيقة.

ولهذا لا بد من البحث عن حل لتلك المُعضلة الوجودية للمثقف في عصرنا الراهن؛ حل يجعل المثقف يمارس نقدًا ذاتيًا لخطابه ولغته وأسلوبه وأدواته وعلاقته بالسلطة، لكي يطورهما، ويصبح حاضرًا وفاعلًا ومفيدًا لمجتمعه، وقريبًا من السلطة وصانعي ومتخذي القرار، وفي الوقت ذاته يحافظ على كرامته واستقلاليته وحسه النقدي، وشجاعته في قول الحقيقة.

ودون توفر صيغة هذا الحل، فإن المثقف سوف ينعزل عن واقعه أكثر وأكثر، ويتبدد تأثيره ودوره، ليدخل المثقفون مع مرور الأيام في طور النسيان، ويصبحون "كائنات منقرضة" عجزت عن التلاؤم مع مستجدات ومتغيرات عصرها، فاختفت من الوجود، وتركت المجتمع والمشهد الثقافي والإعلامي  فارغين لمطلقي التوافه وبائعي الأوهام، ومزيفي الوعي.

عاجل