رئيس التحرير
محمود المملوك

المشير طنطاوي شرف العسكرية المصرية

قائد عسكري من طراز فريد خاض حرب أكتوبر بمنتهى البسالة ورسم ملحمة فريدة تحدث عنها العالم والخبراء العسكريون وتم تدريس خططه العسكرية في أعرق وأهم المؤسسات العسكرية في العالم، إنه المشير الفذ محمد حسين طنطاوي الأب الروحي للعسكرية المصرية في العصر الحديث، ولا تكفي عشرات المقالات لسرد بطولاته العسكرية، ولكني في أول ليلة لرحيل روحه الطاهرة إلى المولى عزوجل أردت أن أسلط الضوء على بطولة المشير محمد حسين طنطاوي في إنقاذ مصر وعبوره بها لبر الأمان من مؤامرة الربيع العربي التي أسقطت دول كاملة.
تولى المشير طنطاوي مسئولية وزارة الدفاع في عهد مبارك عام 1991 وإن كان هناك ذكر لمحاسن مبارك فستكون أهم حسنة فعلها هو اختياره المشير طنطاوي وزيرا للدفاع. كان طنطاوي مثالا يحتذى به في الولاء للوطن ولقائد البلاد حينها، ظل 20 عاما لا يقول غير حاضر ونعم بحكم واجباته العسكرية والدستورية التي تفرض عليه ذلك، وفي عام 2011  فجأة وجد نفسه في وجه المدفع، والمدفع هنا المقصود بها المسئولية في مواجهة المؤامرة الدولية لإسقاط مصر - كان المشير طنطاوي شديد الحرص على تطوير الجيش المصري ومتابعة أبناؤه في هذا الكيان العظيم الضخم.
نعود إلى ما قبل أن تفرض عليه الظروف أن يكون المسؤول الأول في مصر، فرغم ولاء المشير طنطاوي لمبارك لم يسمح بأي تدخل داخلي أو خارجي في شئون المؤسسة العسكرية المصرية حتى بعد أن لاحت في الأفق بعض الصراعات والتوترات الداخلية في نهايات عصر مبارك ما بين الحرس القديم والحرس الجديد بقيادة جمال مبارك وأحمد عز، نأى طنطاوي بنفسه عن هذه المهاترات وكانت له رؤية ثاقبة بأن كان شديد الحسم والحزم وأغلق الباب على نفسه ونسج حول الجيش المصري سياجا من فولاذ لا يستطيع كائنا من كان عبوره أو تخطيه وباءت كل المحاولات بالفشل، ونجح طنطاوي بجدارة في الحفاظ على المؤسسة العسكرية بعيدا عن كل الصراعات والانقسامات السياسية، كان عاشقا لوطنه ومؤمنا برسالته مستوعبا لواجباته ولدوره ومسئولياته الجسام لا يعنيه سوى تأمين مصر وشعبها.
حتى جاء عام 2011 وانقلبت المنطقة العربية رأسا على عقب بسبب مؤامرة الربيع العربي التي أصابت مصر وجميعنا لمسنا شهدنا وعشنا الأوضاع الكارثية حينها التي أدت إلى تنحي مبارك وانهيار كافة الشخصيات السياسية ما بين الاختفاء والهروب من المسئولية،  كان المشير طنطاوي والمؤسسة العسكرية هما فقط من لاقوا قبولا وترحيبا كبيرا من الشارع المصري بكل أطيافه في هذه الفترة العصيبة، وفجأة ودون مقدمات أو سابق إنذار أو سابق خبرة سياسية وجد المشير طنطاوي نفسه متحملا مسئولية البلاد كاملة وعليه إنقاذها ونزل بالجيش إلى الشارع وضرب بيد من حديد على رؤوس المخربين والعملاء، والظرف الزمني حينها كان يفرض عليه سرعة التصرف والمرونة الشديدة حتى يعيد تنظيم البلاد والحفاظ على مقدراتها والتصدي لمحاولات إسقاطها، ولم شمل الشعب المصري مرة أخرى وإحباط محاولات الفصيل الخائن الإخواني - الذي وجد الفرصة سانحة -  للانقضاض على الحكم وتعاون هذا الفصيل مع أجهزة أجنبية ودول معادية لتقسيم مصر بعد نشر الفوضى والإرهاب، وكان طنطاوي أسدا يدافع عن عرينه واستطاع في فترة قصيرة جدا أن يدير الأمور في مصر بسياسة بارعة وقام بتسليم جماعة الإخوان للشعب المصري وليس تسليم مصر للإخوان كما أشاع المراهقون السياسيون حينها، وأوهمهم أنهم استولوا على حكم البلاد، وبالتنسيق مع ابنه الروحي اللواء عبد الفتاح السيسي رئيس المخابرات الحربية حينها، كان السيسي حارسا على مصر متابعا ومراقبا بل وضاربا للإخوان إن استلزم الأمر لحماية الشعب المصري، وقد كان بعد أن رفع الشعب صوته ومطلبه للفريق أول عبد الفتاح السيسي وقام السيسي فورا بتلبية النداء بعد نزول الشعب المصري للملايين في الشارع للمطالبة برحيل مرسي وجماعته، وأزاح السيسي بكل جسارة الجماعة الإرهابية، وكانت ثورة 30 يونيو وبيان 3 يوليو 2013 نقطة نظام ورسالة للعالم أجمع بأن عصر الفوضى قد انتهى ولن تستمر هذه المهزلة وأن لمصر جيش مخلص يحميها ولاؤه لها ولشعبها.
استطاع المشير طنطاوي إدارة البلاد سياسيا قدر المستطاع بحكمة شديدة في فترة عصيبة شهدناها جميعا، لم يقفز من المركب وضع روحه على كفه حفر اسمه في التاريخ الحديث بأحرف من نور، وسيظل في ذاكرة وقلوب المصريين سيظل رمزا للوفاء والفداء لوطنه وشعبه سيذكره التاريخ قائدا عسكريا من طراز فريد.
أدى المشير طنطاوي واجبه بأمانة وبطولة منقطعة النظير في ذروة الأحداث المؤسفة والكارثية التي تجاوزت خطورتها وأثارها التدميرية الحروب النظامية، وتحمل الكثير من الطعنات والإساءات فداء لمصر وشعبها.
فتحية لروحه الطاهرة في أول ليلة في قبره ونسأل الله أن يغفر له ويتغمده بواسع رحمته.