رئيس التحرير
محمود المملوك

"حبيبي يا موت"

 لما وصلت السيدة "ديبورا تايلور بليز" لسن الـ 37؛ الدكاترة شخصوا مرضها إنه سرطان في الثدي.. ولأن السرطان كان منتشر في أجزاء كتير نصحوها باستئصال جذري للثدي.. القرار مقلق ومقرف ومحتاج ست شجاعة من نوعية معينة عشان تقدر تتعايش معاه وتوافق عليه خصوصًا إن المشكلة في مرحلة ما بعد العملية مش قبلها.. أنت بتطلب من أنثى توافق وبمحض إرادتها تشيل جزء من أهم ملامح أنوثتها وتكمل حياتها بدونه!.. "ديبورا" وافقت.. بعد العملية بشهر الدكتور اللي بيعالجها فاجئها إن السرطان انتشر ووصل للغدد الليمفاوية ومافيش مفر من العلاج الكيميائي.. كانت مرعوبة من فكرة الموت نفسها.. ورغم وجود أصدقاء كتير ليها متدينين حاولوا يصبروها بكلام ديني لطيف إلا إنها كانت برضو محتاجة شيء أقوى؛ فكانت بتدعي ربنا إنه يبين لها حقيقة الموت وإنه مش بيخوّف.. العلاج الكيميائي دمرها.. كانت بتاخد أدوية ضد الترجيع لكن برضو كانت مابتقدرش تحتفظ بأي أكل في معدتها.. جسمها خس.. شعرها وقع.. روحها المعنوية بقت صفر.. "ديبورا" عايشة مع جوزها لوحدهم ومافيش عندهم ولاد.. خرجت في يوم لوحدها تقعد عند البحيرة اللي قريبة من البيت عشان تغير جو.. سمعت صوت نونوة قطة صغيرة تحت شجرة.. في الأول عملت نفسها مش مهتمة وطنشت ورجعت سرحت تاني وبصت على البحيرة.. شوية وصوت نونوة القطة زاد وبقى عالي.. بصت ناحية الشجرة لقت فيه 4 طيور جارحة بتحوم حوالين الشجرة.. قامت وراحت هناك وشافت قط صغير لونه مشمشي ومستخبي.. "ديبورا" هشت بإيديها الطيور الجارحة ورمت طوب عليهم عشان تبعدهم.. بعدوا.. خدت القط معاها البيت.. ولأنها مش بتحب القطط ولأن اللي عملته ده كان لحظة رحمة مش أكتر؛ طلبت من جوزها إنه يأخد القط معاه تاني يوم الشغل في صندوق ويحاول يديه لأي حد هناك.. جوزها خد القط معاه فعلًا بس رجع بيه آخر النهار للبيت وقالها إنه حاول يسربه بس مالقاش حد يديهوله! كأن القدر كان مصمم إنه يعيش معاهم.. على مضض وبمنتهى الضيق قبلت "ديبورا" تخلّيه في البيت عندهم.. سمت القط "دارما". بتقول إنها بدأت تلاحظ إن القط بدأ يتقرب منها كل يوم عن اليوم اللي قبله.. يطلعلها على السرير ويلحس وشها بلسانه وكأنه بيشكرها إنها أنقذته.. يمشي يلف وراها في الشقة طول اليوم.. يلعب معاها بشكل مبهج.. بقى فيه بينهم نوع حلو من الود لدرجة إن "ديبورا" عملت في كل اللبس بتاعها جيب صغير قدام عند البطن عشان تشيل فيه "دارما" في كل حتة تروحها حتى في الشارع كأنها شايلة ابنها مش قط!.. زي "الكانجرو" كدة.. بسبب خسسان جسمها ووقوع شعرها حست "ديبورا" إن جوزها بدأ ينفر ويبعد عنها شوية بشوية؛ وفي نفس الوقت بدأت مساحة الحب بينها وبين "دارما" تزيد أكتر وأكتر لدرجة إنها حست إن القط مش مهتم لا بوقوع شعرها ولا بعدم تناسق شكل الثدي بتاعها بعد استئصاله، وكانت بيتعامل معاها بحب حقيقي وكأنه ابنها اللي ماخلفتهوش وكأنه تعويض إلهي عن إصابتها بالسرطان.. في ميعاد الفحص الدوري في المستشفى وبعد نتيجة آخر تحليل طلعت النتيجة سلبية بدأت "ديبوار" تستجيب للعلاج وجسمها بدأ يخف!.. الدكاترة استغربوا بس كلهم أجمعوا إن السبب دون شك هو تغير الحالة النفسية ليها اللي طبعًا كانت اتغيرت بسبب دخول "دارما" فيها.. "ديبورا" حبت الحياة وبدأت روحها ترد فيها تدريجيًا وحبها لـ "دارما" زاد.. في يوم وهما بره قدام البيت؛ "دارما" جري ورا فراشة صغيرة بتطير وهو بيجري وراها خبطته عربية ومات.. "ديبورا" خدته دفنته جنب البحيرة اللي شافته عندها أول مرة.. بعدها انهارت حرفيًا وبدأت حالتها تسوء تاني وصحتها بقت في النازل.. رجع خوفها من الموت تاني وبقسوة وكانت مقتنعة إنها هتموت هتموت وأنها مسألة وقت.. راحت قعدت جنب البحيرة ورفعت راسها لفوق كأنها بتكلم ربنا وهي بتبكي. ساعتها فيه كف إيد اتحط على كتفها.. بصت لقت جوزها.. قعد جنبها وقالها: (إنكِ لم تذهبي للبحيرة ولا مرة قبل ذلك وفي المرة الوحيدة التي ذهبتِ وجدتِ "دارما"، وكان إنقاذك له إنقاذًا لكِ أيضًا، حتمًا هناك سبب لدخول "دارما" حياتك حين دخل ولخروجه منها حين خرج).. بصت لجوزها وفكرت في كلامه شوية وبدأت تفهم إن كلامه صح.. وجود "دارما" في حياتها كان له معنى حتى ولو للحظات وحتى لو مات بعد كده.. "دارما" ظهر عشان يدِّيها انطباع أن الموت مش حاجة وحشة وإنه باللي عمله معاها في الفترة دي ساب جواها أثر مش هيتنسي؛ وعشان كدة قررت إنها هي كمان تكون علامة ونقطة نور في حياة غيرها حتى لو باقي على عمرها دقيقة.. ليه؟.. لإن الموت مش بيخوّف لما تكون مستعد له. 

 

 الكاتب "جون بييري" كتب قصة قصيرة وصف فيها شعور شاب عنده 17 سنة وهو بيموت!.. "جون" في القصة اللي كتبها حط نفسه مكان الولد وقال كل التفاصيل اللي حصلت.. سبب الوفاة.. إحساس الولد.. رؤيته لأهله بعد ما مات.. كأن فيلم حياته ماشي قدام عينيه ببطء والحقيقة إن مجرد تخيل الفكرة والعيش فيها كان مرعب فعلًا.. بدأ الموضوع لما الشاب اللي عنده 17 سنة طلب من أمه ياخد العربية عشان يتفسح شوية.. قالها: (هذا جميل لن أنساه لكِ يا أمي فكل أصدقائي يخرجون بسياراتهم بشكل طبيعي!).. رغم تحذير أمه وإلحاحها عليه إن بلاش يخرج النهاردة بالذات لكنه صمم.. قدام رغبته؛ الأم وافقت.. الولد طلع على الجراج وخد العربية وطلع يجري بيها وهو في قمة الإنشكاح.. "جون" بيقول وهو متقمص شخصية الولد: (كنت أقود بسرعة هائلة وكنت أشعر بمزيج من البهجة والحرية).. آخر حاجة كان فاكرها وهو سايق هي صوت تكسير إزاز العربية ودخول جزء منه في وشه والهزة العنيفة اللي شالته من مكانه ونطرته بره على الأسفلت.. تشويش في الرؤية.. لمة ناس وأصوات متداخلة مش قادر يميز منهم حد.. حس بطعم الدم في بوُقه ولاحظ إنه مغرق وشه وإيده وكل جسمه.. ألم بشع.. تشويش الرؤية مستمر.. فجأة مافيش نور.. صمت.. شوية وشاف جسمه محطوط جوه مكان ساقع شبه الدرج العريض.. حد سحب الدرج ده لحد ما نصف جسمه المتغطي ظهر.. لقى أبوه وأمه واقفين وبيبصوا عليه!.. شاف نظرة ألم في عين أبوه اللي كان ضامم أمه وهي بتصرخ من القهرة.. الأب بص للدكتور وقال بأسى: (نعم؛ هو ولدي).. الدكتور زق الدرج لجوه تاني.. صمت.. يوم الجنازة شاف وشوش كل قرايبه وأصحابه وهما بيبصوا عليه النظرة الأخيرة وهو جوه التابوت.. قال: (الغريب إني لم أكن أشعر بشيء، أرى كل ما يحدث لكن دون إحساس ولا قدرة على الكلام).. مع كل وش كان بيشوفه كان بيحاول يتكلم ويلفت نظرهم إنه عايش بس ماحدش شايفه.. التابوت اتشال واتحط جوه الحفرة وبدأ العمال يحطوا التراب فوقه بالجاروف.. صرخ الولد: (أرجوكم جميعًا فليوقظني أحدكم.. أخرجوني من هنا لا أستطيع تحمل رؤية أبي وأمي هكذا وهما يتألمان.. جدي وجدتي أرق من تحمل هذا الوجع.. لا تدفنوني أنا لست ميتًا أنا حي. أريد أن أمرح وأقفز وأسافر لازلت في 17 من عمري ومازال أمامي الكثير لأفعله.. أريد الزواج وأن يكون لي أطفال.. لا تغطوني بالتراب.. أعدك يا رب إذا منحتني فرصة أخرى سوف أكون سائقًا حريصًا.. فرصة ثانية فقط يا رب.. فرصة ثانية).. صوت صراخه ماحدش سمعه غيره.. التراب بيتحط بشكل تدريجي على التابوت وبيغطيه شوية بشوية.. صرخات الولد بتضعف شوية بشوية.. صمت.

 

في فيلم "الحرامي والعبيط" بطولة العظيم الراحل "خالد صالح"، والفنان "خالد الصاوي" فيه جملة دمها خفيف كانت بتتقال على لسان شخصية العبيط اللي بيعملها "صالح" كان بيقول: (حبيبي يا موت) كدلالة على استعداده للموت في أى لحظة ييجي فيها.. رغم إنه لقط الجملة أساسًا من صاحبه البلطجي الشخصية اللي كان بيعملها "الصاوي"؛ لكنها كانت بتتقال سواء من ده أو ده كدلالة على استعدادهم للموت في أى لحظة بشجاعة.

 

الكاتب الإنجليزي "فرانسيس بيكون" قال: (الموت صديقنا، ومن ليس مستعدًا لاستضافته لن يرتاح أبدًا).. فيه ناس بسبب خوفها من الموت بتموّت نفسها ألف مرة قبل لحظة الموت!.. الموت مايتخافش منه، اللي يتخاف منه هو خوف الناس من الموت.. طول ما فيك نفس طول ما فيها أمل.. كلمة النهاية في حياتك اللي هيكتبها ربنا مش الظروف، ولا الناس، ولا أنت.