رئيس التحرير
محمود المملوك

إبراهيم معوض يكتب: بعد الخروج

إبراهيم معوض
إبراهيم معوض

الصخب يملأ الشارع بإيقاع يومى معتاد، طرقات الزهر المنبعثة من المقهى تغفو وتفيق على ضجيج السيارات، أصوات البشر تمتزج مع أصوات الآلات فيصعب تمييزها منفرده، رائحه الخبز التى تنبعث من الفرن المقابل تملأ الأنوف وتقرقر لها البطون الجائعة.

 

 عمال التراحيل يتدحرجون ككرات ثلجية نحو أعمال الشقاء بالمدن المتاخمة، كانوا لا يجيدون إلا الزراعة والحصاد، ومع اندثار تلك الأعمال ينهضون كل يوم للعمل فى المعمار والتشييد، لم يتبق إلا ساعات قليلة وتخلو القرية من عمالها ويأتى ذلك متزامنًا مع بيع آخر رغيف وإغلاق الفرن، وبعدها تتحول القرية إلى كتلة خرساء إلا من صوت الزهر وطرقات الدومينو.

 

 ينظر إلى أبيه الذى يبدو أمامه في زيه الداخلى الملتصق كعملاق يستجدي منه قطعة نقدية بنظرات ذليلة، يمنحه إياها بالكاد وكأنه يقتطعها من جلده، يطير فرحًا بها يقفز خارجًا من باب البيت بعدما يطبع على يده قبلة سريعة، ينفض الغبار عن حذاءه المدرسى ويرتديه، يجذب أحزمة الحقيبة بين الحين والأخر ليخفف من ثقلها عن كتفه الصغير، ينصت إلى كلمات الأب المنسابة خلفه توصيه بأن يشترى الطعام ولا يبدد كل المصروف فى العسلية، فيرد بتلقائية معتادة:-

 أفعل يا أبى.. يشق الصفوف بجسده الحاد كى ينتظم فى مكانه وسط الطابور، يسمع كلمات المدير المعتادة عن النظافة والأخلاق والآداب، يسبح بخياله الصغير لأبعد من ذلك ولربما لأقرب، يقارن بذهنه المرهق بين طعم العسلية ومنفعة الطعام، ولكن وعده الذى قطعه للأب يسرق منه متعة الإختيار، صراع ينشب داخله بين ما يبثه المدير من قيم وما يعتمل في نفسه من رغبات، يفيق على صوت المدير يرتفع صاخبًا بتحية العلم، يردد بحماس.

 

 يتحرك بين الأطفال كحبة فى مسبحة ناسك، يضع جسده بين مئات الأجساد الصغيرة كى يستقر به المطاف على مقعد خشبى متآكل، يهدأ الصخب بدخول المعلم قاعة الدرس، يخرج الدفتر والقلم، وبصوت عال يقول: زرع.. حصد.. يردد خلفه بعنف ويلوي شفتيه ساخرًا، ثم يقرر أن يشترى العسلية بمصروفه كاملًا.. ثم يقول للأب أنه اشترى طعامًا كثيرًا..