رئيس التحرير
محمود المملوك

«حزننا البليغ» في ذكرى عبد الناصر

نهر الأحزان والمراثي في حياة المصريين، نهر قديم مواز لنهر النيل، لكنه لا يشق الأرض ويروي الزرع، بل يشق الصدور، ويروي فدادين الشجن الأصيل في أرواح وقلوب المصريين.

ولهذا كان المصريون أول شعوب العالم إبداعًا لـ «فن الحزن». وهو فن مصري قديم، متين القواعد، ثابت الأصول، ويظهر بوضوح في كل أشكال فنون النواح والعديد ورثاء الموتى والتباكي على سائر مواجع النساء والرجال، التي تميزت بها الثقافة المصرية. 
وفي الذكرى الـ 51 لرحيل الرئيس جمال عبد الناصر، نتذكر كيف تفجر بمصر في يوم 28 سبتمبر 1970 رافد عظيم لنهر الأحزان، وهو رافد يتجدد كل عام في قلوب المصريين، الذين عاشوا زمن عبد الناصر، والذين قرأوا عنه، وعرفوا المعاني التي جسدها عبد الناصر في حياة وتاريخ المصريين. وهي المعاني التي جعلتهم يخرجون بالملايين لوداعه حتى مثواه الأخير، ولوداع حلمهم فيه.

ولهذا كانت جنازة عبد الناصر حدثًا تاريخيًا بكل المقايس، ورسالة بليغة في شكلها ومضمونها للداخل والخارج حتى اليوم. وقد نجح الراحل الدكتور يوسف إدريس في التقاط مضامين تلك الرسالة، ولخصها ببراعة شديدة في مقال نشره جريدة الأهرام، يوم 2 أكتوبر 1970، حمل عنوان «حزننا البليغ».

وهو مقال أظن أنه صار اليوم وثيقة تاريخية تستحق نشرها من جديد في يوم رحيل الرئيس جمال عبد الناصر؛ لنعرف لماذا أحب المصريون عبد الناصر، ولماذا لا يزالون يحبونه لليوم؟  
يقول الدكتور يوسف إدريس: 
«حزينة هكذا كانت مصر. وحزينة هكذا أبدًا لن تكون. 
والحزن ليس غريبًا على مصر، إنه تاريخها وأصواتها ومنه تصنع الرجال. منذ أن وطِئ الإسكندر حضارتنا، وتوالت الأقدام، والحزن هو رايتنا السوداء المنكسة أبدًا. 
السواد هو رداء نسائنا من قديم الزمن، والرجال بجلابيبهم البيض والسود في مأتم دائم الانعقاد. ولكن حزننا اليوم مطلقًا ليس كما فات من أحزان، ولا ككل الأحزان، هو ليس حزنًا على احتلال طال، أو هزيمة حاقت، أو على ندرة الرجال.
هو حزن ليس عتابًا للزمان، إنه هذه المرة لغة، لغة جديدة ينحتها الشعب، لم أر ولا أحد رأى لغة تُضاهيها. هي لغة تحمل بلا حروف أو كلمات كل ما يمكن ولا يمكن للحروف والكلمات أن تحتويه. 
بحزننا أيها الناس نقول الكثير. بحزننا لأول مرة ينطق شعبنا الآخر، بحزننا نُفصح عن أشياء في قلوبنا ظلت تنضج عبر آلاف السنين. وتتراكم عبر آلاف الحوادث، وتختنق عبر أصابع الظالمين. 
موت عبد الناصر أنطقنا، وبحزننا عليه ننفجر ونقول، وما أكثر ما سوف ننفجر ونقول. 
يا شعبي الذي أسكنه الحزن الطويل، لينطق حين فاجأنا الحزن الأكبر. إني لأول مرة أسمعك وأفهمك. لأول مرة أرى قلبك المكنون الأبيض. لأول مرة تتفتح لي أعماقك السحيقة فأراها وأراك. 
ومن أعماقك السابعة، من قدس أقداسك الذي فتحته لأول مرة لترقد فيه جمالك وناصرك، أسمع صوتك الحقيقي المروع. أسمع الكلمات التي ضممت عليها نفسك آلاف السنين، ولم تُغادر شفتك إلا الآن فقط. وفقط الآن. 
بلغة حزنك قل إذن وانطق. خاطب عالمًا جهلك، وتجاهلك. خبره عن عبد الناصر الذي احتاروا في فهمه. خبرهم عن الرجل الذي ولدته ليقودك، وعلمته ليعلمك، وحنكته ليكون إرادتك. 
خبِّره عن سره الذي هو سرك. خبره أنك به تبدأ، وليس بحياته تنتهي. خبره أنها لم تكن خمسين عامًا عمره، إنما هو ألف وألف وخمسون. 
يا شعبي الذي تحول إلى بحر هائج مائج، ما أروع حزنك العاصف. ما أنصع أعماقك. ما أعظم صوتك الجليل المعتق يُدوِّي والعالم يسمع. 
ألا فليسمع العالم! 
يا صديقنا اسمع. يا عدونا أصغ. لقد انتهى عمر عبد الناصر ليبدأ تاريخه.  
وبدموعنا المنهمرة نسطر أول الكلمات. وبتعبيرنا المليء بالشجن نحفظ الرسالة. نصون الأمانة، أمانة أودعناها عبد الناصر عبئًا، وأعادها إلينا طريقًا وثورة. جعلناه إرادتنا ليورث كل منا إرادته. وبغرضنا به سكتنا، وبحزننا عليه نعود ننطق.  
ألا ما أبلغ ما تقوله للعالم أيها الشعب بحزنك، فلقد عشنا طويلًا نسمع العالم ساكتين، وآن الأوان أن يسمعنا العالم. ويعي جيدًا ما نصوره من نشيج ونزيف».