رئيس التحرير
محمود المملوك

الهكسوس والمشير طنطاوي

لست أميِّز على وجه الدقة سر احتفاظ ذاكرتي بدروس طرد الهكسوس من مصر، ولا سر الامتنان العميق الذي أكنّه كمصري للملك أحمس.
لماذا هذه الحلقة تحديدًا من حلقات تاريخ مصر القديمة، تحظى في نفسي بألق مجهول المصدر؟
فدروس التاريخ في المراحل التعليمية التمهيدية تكاد تكون مجرد عناوين عريضة، لا تحكي الملابسات ولا تتطرق للملاحم على النحو الذي جرت عليه في الحقيقة.
ومن ثم لم يعد لمهتم بالتاريخ، أو مستمتع به، سوى الالتجاء للوثائقيات السخية التي تعرضها ناشيونال جيوغرافيك وهيستوري وساينس وديسكفري وباقي القنوات العالمية التي تولي المصريين القدماء، جهدها وميزانياتها الضخمة.

ورغم اقتصار الكتابة في هذه المساحة على المؤلفات الأكاديمية للمتخصصين، فإن الهزة العظيمة التي اجتاحت البلاد في أعقاب 2011 و2013، مثّلت شغفًا عظيمًا لكثيرين لاستكشاف تاريخ مصر وفهم بواعثه الكامنة.
أسوقُ هذه المقدمة الطويلة في محاولة مني لأفسر لنفسي، قبل أن أفسر لك عزيزي القارئ، سر هذه "الأخذة" التي استغرقتني وأنا أقرأ كتاب "صفحات مشرقة للجيش المصري القديم.. حرب التحرير ضد الهكسوس"، لمؤلفه الدكتور عصام السعيد أستاذ تاريخ وآثار مصر والشرق الأدنى القديم.

التقيت المؤلف مرات طفيفة في مناسبات عابرة، وأعلم أنه عمل ملحقًا ثقافيًا لبعض الوقت، بجانب نشاطه الأكاديمي في عدة بلدان.
ولعل هذا هو ما يفسر ولو بدرجة من الدرجات، المنحى الأنثروبولوجي الذي يأخذ الكتاب ويسيطر عليه، فيجعله كتابًا عن ذاكرة المصريين ومكوناتهم الوجدانية، بأكثر منه مجرد سرد جاف لوقائع فترة مهمة من تاريخ البلاد.

فالتجوال والاحتكاك بالأمم الأخرى، يرهِّف أدواتك وأنت تقرأ شعبك وتاريخك مرة- أو مرات- جديدة.

"الأخذة" التي أشرت إليها أعلاه، انتابتني مع الكتاب أول مرة حين ساق المؤلف تفسيرات الخبراء لعدم وجود وثائق مكتوبة من عصر الهكسوس!

فأين هم من تأريخ المصريين الذين دونوا كل شيء؟
لقد كان الأثر النفسي ثقيل الوطأة إلى حد أن المصريين غفلوا عن ذكرهم عامدين، فلم تستسغ عقلية المصريين أو نفسيتهم أن يسجلوا مرحلة فيها إذلال لبلادهم.
بل لقد وصف المصريون الهكسوس بأنهم "الوباء" و"الطاعون".
ولمّا تجبر الهكسوس وأمعنوا في إذلال المصريين، بعدما كانوا ضيوفا يأكلون من خير هذا البلد، أحس المصريون بانكسارة كبرى.
فكأنما حصل تواطؤ جماعي بين ذاكرة المصريين على عدم التطرق لهذا الأمرة مرة أخرى، وهو ما شكل فيما بعد هذا الاحتفاء الجارف بالملك أحمس ونضاله ضد الهكسوس.

ويشير الكاتب هنا إلى أن ثقل وطأة الغزاة الهكسوس، كان الباعث الرئيس على الاعتداد بالجيش الذي شكله أحمس لكسر شوكة المحتلين، ثم ظل الاعتداد والاحتفاء والاحترام بالجيش المصري ساريًا في دماء المصريين لآلاف السنين. كأنما بذر أحدهم هذه البذرة في نفوس الجميع.

ولعل هذا كله يفسر للاحتفاء الشعبي بالجيش المصري والذي مازال حاضرا إلى اليوم، هذا الاحتفاء الكامن في الطبقات البعيدة من اللاوعي والمختزن في وجدان الأمة.
يرسم الكتاب صورة مكتملة الأركان من واقع برديات التحرير وكتابات الجنود، وتصوير الشعور الجمعي للمصريين في هذه المرحلة الكئيبة من عمر البلاد. فالشعوب تحتفظ بالصدمات وتتناقلها جيلا بعد جيل.
ولعل انزعاج الكاتب جمال الغيطاني -رحمه الله تعالى- الذي حكى عنه كثيرون، حين خرجت بعض التظاهرات في أجواء العام 2011، في محاولة النيل من المشير طنطاوي، كان راجعًا إلى ما قاله الغيطاني وقتها بأن هذه هي أول مرة في تاريخ مصر كلها.. أن يذكر المصريون قائد الجيش المصري بسوء!

وقد كان الغيطاني كقارئ مدقق ونهم لتاريخ هذه البلاد، يدرك هَوْلَ الحاصل، برهافة المؤرخ قبل إدراكه السياسي بأدوات رجل يعمل في المجال العام ويستوعب أركانه.
في منتصف القراءة، تواصلت مع الدكتور عصام السعيد مؤلف الكتاب المدهش قبل عدة أسابيع، وسألته عن فترة عمله الدبلوماسي، فعرفت- بالصدفة- أن الغيطاني كان أحد أعضاء اللجنة التي اختبرته قبل نحو خمسة عشر عاما، لدى ابتعاثه لموريتانيا!

فاندهشت من لجنة تشكلت لاختيار دبلوماسيين وملحقين ثقافيين وكان من أعضائها روائي ومؤرخ ومثقف كالغيطاني.

تعقدت المفارقة- أو لعلها فسّرتْ نفسها بنفسها- حين عدت مرة أخرى لأتصفح الكتاب بهدوء، فإذا إهداؤه موجّه للمشير طنطاوي رحمه الله!

وكأن كل الحلقات تكتمل، كتاب يحلل ويدقق في برديات ووثائق التحرر من الهكسوس، ويبحث في أسباب ارتباط المصريين بجيش بلادهم منذ نكبة الهكسوس، ويكون إهداؤه لآخر قائد عسكري واجه هكسوس العصر الحديث.

عاجل