رئيس التحرير
محمود المملوك

الفيل صديقي

● أنا بحب الأفيال.. ومش أنا لوحدي معظم الناس كده برضه.. رغم ضخامة أجسامها اللي جايز تخض للوهلة الأولى بس محدش فينا عنده مشاعر سلبية تجاه الأفيال.. فيه طيبة مستخبية الكل بيكون حاسسها ومصدق وجودها في الكائن الأضخم والألطف.. الفيل كائن عنده كرامة!.. هو من الحيوانات القليلة اللي عندها مسحة كرامة بتخليها قريبة شوية من طبع البشر.. لما بيتم نقل أى فيل من دولة لدولة بالطيارة أو من مكان لمكان جوه نفس الدولة بعربية نقل كبيرة أو بالقطر بيكون الفيل في حالة هياج وعصبية عنيفة وممكن يكسر المكان اللي هو موجود فيه لإن عملية النقل لازم يكون من شروطها إنهم يربطوا رجليه الأربعة في سلاسل تقيلة في نهايتها كذا كورة من حديد وزنهم تقيل عشان تخفف الحركة بتاعته قدر الإمكان أو تنهيها.. اللي كان بيزود غلاسة الموضوع إن فيه حراس باردين كانوا بيستغلوا إن الفيل مربوط ويضربوه ويستعرضوا قوتهم عليه على أساس إنه مش هيقدر يعمل حاجة وحركته محكومة، وهو كان بيبقى فاهم ده فبالتالي كانت عصبيته منطقية.. بقى فيه أزمة مع الوقت مقترنة بـ نقل أى فيل وممكن توصل إن فيه حراس بيموتوا لما بيقع على راسهم أجزاء من العربيات أو الجدران اللي بتتكسر!.. هما شايفينه حيوان متجبر وقاسي وحاسس بنفسه فـ هنهريه ضرب عشان نجيب مناخيره الأرض، وهو مش قصده يقتلهم بس هو كاره التكتيف وشعور الأسر والحبسة والمهانة؛ ما هو زى ما قولنا عنده كرامة!.. بس مع مرور الوقت أكتر ولإن أى أزمة لازم يكون لها حل؛ فيه تفصيلة مهمة بقت بتحصل ومش كل الناس تعرفها وحلت الأزمة دي خالص.. المسؤول عن النقل بقى بيحط جنب رجل الفيل صندوق كبير شوية فيه مجموعة كبيرة من الكتاكيت ويخرجهم من الصندوق ويخليهم يجروا حوالين الفيل!.. في اللحظة دي بيتحول الكائن الرقيق أبو زلومة لكائن وديع ثابت في مكانه دون ولا حركة!.. كإنه تمثال!.. دون ولا حركة، ولا همسة، ولا بربشة عين حتى!.. والسبب؟.. التفسير الوحيد اللي لقوه هو خوفه إنه يضر ويدوس على أى كتكوت من الكتاكيت اللي بتجري تحت رجليه بمنتهى العفوية!.. يعني إنت تبهدل الطيارة أو العربية أو القطر وتقتل الحراس وخايف تدوس على كتاكيت؟.. الحراس ضربوني، الكتاكيت لأ!.. الفيل كائن طيب، ومسالم.. المهانة عنده مرفوضة ومش بتتنسي، والتقدير له عنده مكانة كبيرة.. يمكن كمان جزء من طيبته اللي قاله عنه الكاتب الأردنى "خالد صدقة ": (قرأت أن الفيلة عندما تشعر بدنو أجلها، عندما تحس باقتراب الموت تنسل بهدوء من بين القطيع، وتلجأ إلى مكان بعيد.. تتوارى بعيدا عن الأنظار في آخر الغابة، وتموت هناك.. بصمت.. الحب الكبير أيضا يموت مثل الفيلة.. عندما تقترب النهاية.. عندما يقترب الموت.. لا شيء يستطيع ردعه.. لا أحد يمكنه إيقافه.. ينزوي بعيدا.. لا يحدث جلبة.. لا يصدر صوتا، ولا يقول شيئا أخيرا.. يضع جثته الكبيرة على الأرض وينتهي.. هكذا بهذه البساطة لا يعد موجودا فحسب).

 

● في سنة 1990 خال واحد صاحبي في قرية في الصعيد اسمه "عم رجب" كان عنده جمل.. الخال ضرب الجمل وهما في الغيط ضرب مبرح، ودي حاجة هو مش متعود يعملها.. ماتعرفش كان فيه حاجة مضيقاه وهو فش غِله في الحيوان الغلبان ولا إيه السبب.. الخال لما رجع البيت بالليل حكى لـ مراته على اللي حصل.. مرات الخال واللي كان أبوها أصلًا تاجر جِمال لما عرفت إن جوزها ضرب الجمل نصحت جوزها إنه ما ينامش على الدكة بره الليلة زى ما كان متعود خصوصًا إن المكان اللي بيبات فيه الجمل بيكون جنب الدكة اللي بينام عليها جوزها بره الدار.. الراجل استغرب ومراته صممت.. "بلاش عشان خاطر النبى تنام على الدكة الليلة دي وجنبك الجمل وخش نام في فرشتك".. سمع كلامها وكان من عادته يتغطى بالعباية بتاعته فسابها مفروشة على الدكة بره ودخل ينام جوه.. صحى الخال تاني يوم في صلاة الفجر لقى الدكة متدغدغة مليون حتة والجمل واقع جنبها ميت!.. سأل ففهم.. الجمل بيشيل الأذية في باله وبيحفظ شكل اللي أذاه ومش بينساه.. شاف العباية اللي بيتغطى بيها "رجب" فيها ريحته وهو حافظ مكان نومته أساسًا فأستنى لـ حد ما الدنيا بقت ليل وقام ضرب الدكة باللي كان فاكره عليها.. كان عايز يقتله!.. لما حس إن الدكة فاضية مات من الصدمة والغيظ!.. ده كان تفسير أهل البلد وقتها اللي مش مبنى على أى أُسس علمية وانتشرت القصة في حتت كتير من الصعيد من وقتها لحد دلوقتى، والفنان "يحيى الفخراني" في مسلسل "دهشة" حكى إقتباس عن القصة دي في المسلسل.
 

● الرهان على طيبة، صبر، هبل، ضعف، وتحمل اللي قدامك وظنك إنهم بلا نهاية؛ غالبًا وبالتجربة بيبقى رهان خسران.. فيه تعبير سياسى أمريكى بيقول (Never say never) يعنى أبدًا ما تقولش أبدًا.. التعبير بدأ إستخدامه في السياسة من نص السبعينات تقريبًا على أساس إن يى السياسة كل شىء متغير والموقف بتاعك النهاردة ممكن يتغير بكره وهكذا فماتقولش على حاجة لأ خالص أو دى كده خالص لإنك وارد بكره تغير رأيك فعشان مايبقاش منظرك عرة وكده.. بنفس المنظور ماينفعش تقول فلان ده أهبل.. ده طيب.. ده هيسامح.. ده هيتراضى بكلمتين.. لأن اللي إنت واثق أوى في رد فعله ده ممكن يفاجئك بـ رد فعل يهز كيانك كله ويزلزله ويخليّك تفقد ثقتك في اللي باقي من نفسك.. على حسب تعاملك على حسب ما هتشوف.. فيه ناس بتسامح مرة وإتنين وتلاتة عشان المركب تمشى وبتفتكر الحلو في اللي فات عشان تقدر تزق في اللي جاى وبتبلع الزلط شوية بـ شوية لحد ما بيتحشر في زورهم.. لو حاسس إنك طيب أو من النوع اللي بيستحمل ماتخليش ده يكون على حساب أعصابك عشان ياما هتقابل ناس باردة هيستفزوك ويطلعوا زرابينك وهما ولا على بالهم وولا يسووا أساسًا والنتيجة في الآخر كلها من صحتك أنت.. ولو أنت من النوع اللي بيتعامل مع ناس طيبة خلّي بالك إن كتير من تصرفاتنا السخيفة مع الناس بتخليّهم يشيلوا مننا شوية بشوية.. ومش معنى إن ماشُفناش منهم رد فعل لحظي يبقى عدى عليهم أو عاجزين عنه.. الطيب بيراقب وبيركز وبيحفظ وبيجمع.. بيتشال كل ده على الأقل في عقله الباطن لـ وقت اللزوم وكل ده بيتحول لـ قوة وطاقة والله لو مين ماهيقدر يوقفها.. الطيب مش أهبل ومش شخص ماشى بريالة مكتوب على وشه أضغط بـ حذائك برفق.. مش عامل أحاسيسه وكرامته مداس هو بس عامل نفسه مش واخد باله من أى حد بييجي عليهم.. الطيب زى الجمل بيفضل يخزن يخزن وفي لحظة بيدهس بأثر رجعى ومش بيفرق معاه.. مش عبيط.. مش ضعيف.. هو مش أكتر من شخص بيتلكك عشان ما ينقلش معاملته معاك لـ level 2 بسبب إساءتك.. الطيب طيبته مش بمزاجه بس صبره بمزاجه.. وإنت بتتعامل مع الطيب  (Never say never).