رئيس التحرير
محمود المملوك

الجهل الأسري.. كارثة مجتمعية

من أكثر الأخطاء كارثية أن يعامل الآباء أبناءهم بمبدأ رد الجميل، في انتظار مقابل أداء المهام الطبيعية الفطرية ما يجعل الأبناء في حالة غير مستقرة طوال الوقت بسبب شعور التقصير. 

والحقيقة أن من أهم عوامل بناء المجتمع الصحي السليم أن يفهم الأهل وتعي الأسرة واجباتها والتزاماتها تجاه الأبناء دون انتظار مقابل، وذلك لأن فطرة الله سوف تجعل الأبناء ملتزمين تجاه الوالدين في حالة التربية السليمة، ذلك أنه عند خلق بيئة مستقرة للأطفال نستطيع أن نحصل على الإبداع والنجاح من داخلهم؛ ليظهر في المجتمع نماذج مشرفة تحمل المسؤولية بكل قوة وعزم. 

والثابت للجميع أن التربية السليمة والوعي هما أساس الشخصية السوية، فلن تجد يومًا ما طفلًا تربّى في بيئة غير مستقرة إلا وينعدم الإبداع من داخله، بل وتتلاشى الرغبة فيصبح إنسانًا غير منتج متنمر ورافض للواقع، وربما يكون في أغلب الأوقات عالة على المجتمع والناس. 

وبالطبع جميعنا يعلم أنه من أهم ركائز المجتمعات المتقدمة الوعي الأسري الذي يمكن أن ينقل دولًا من العالم الثالث إلى مكانة مرموقة بين الدول المتقدمة بسبب إنتاج أجيال واعية تتسلح بكل العلوم المتطورة وجميع الصفات الإنسانية الجميلة، ومن وجهة نظري فإن من لا يستطيع أن يربي لا يجب أن يأخذ قرار إنشاء أسرة، وإن حكمت الظروف عليه فلا بد أن يدرس قدراته في تحمل التربية والتركيز في أن يصبح الطفل سويًّا ومثقفًا ومتعلمًا وشخصًا منتجًا ومفيدًا للمجتمع، وليس أداة لتفريغ طاقة الوالد المضغوط من العمل أو الأم المقهورة من مشاكل الحياة والمغلوبة دائمًا على أمرها. 

ومن هنا فإنه تجدر الإشارة أيضا إلى الدور الكبير لرجال الدين في نشر الوعي المتبادل بين الآباء والأبناء، فهناك ضغط كبير على الأبناء من قبل بعض رجال الدين بسبب التأكيد المستمر على طاعة الآباء تحت أي ظروف، ولكن هناك وجهة نظر أخرى وجانب آخر من الصورة ربما يكون خافيًا على الناس، ولذا يجب التطرق إليه وهو مسألة «عقوق الأبناء»، فكثيرًا ما يتعرض الأطفال إلى العنف الجسدي في صورة ضرب مبرح وربما تعذيب، وكذلك العنف النفسي مثل التوبيخ والتنمر والإهانة دون وجود حساب أو رقابة على الوالدين بسبب معتقدات وعادات بالية تربينا عليها، والتي يؤكد بعضها أنه من حق الأهل أن يفعلوا ما يحلو لهم في أبنائهم تحت شعار: والدك سيدك ولو كان كافر. 

وكي أكون منصفة فإن كلماتي الآن ليست دعوة للأبناء للتمرد ضد الآباء والأمهات، أو ممارسة العنف والعنف المضاد، ولكن هي مجرد جرس إنذار لنا جميعًا لخلق التوازن في العلاقة، وإيجاد حلول سريعة وفعالة مثل أن تنظم جهات الدولة حملات للتوعية من خلال رجال الدين وكبار الكتاب والإعلاميين والمثقفين والقيادات الشعبية في جميع المناطق لشرح شكل العلاقة السليمة بين الآباء والأبناء، كي يكون هناك عدل ورحمة بين الأسرة، وكذلك وجود خطوط حمراء تحكم الأسرة من جميع الأطراف، وقوانين جديدة تجرم عقوق الأبناء مثلما تفعل مع الآباء تمامًا، وربما حينها لن نضطر إلى معالجة تشوهات أجيال قادمة ربما تزيد معها دور رعاية الأطفال والمسنين والمرضى النفسيين بل والمجرمين على شتى أنواعهم.

مواد متعلقة

عاجل