رئيس التحرير
محمود المملوك

وثائق إسرائيلية تنشر لأول مرة: جولدا مائير رفضت توجيه ضربة استباقية.. وتل أبيب عرفت موعد الحرب لكن مصر فاجأتها | الحلقة الثالثة

جولدا مائير وديان
جولدا مائير وديان

أزاح الأرشيف الرسمي في إسرائيل الستار عن وثائق سرية يتم الكشف عنها للمرة الأولى حول كواليس ما قبل حرب أكتوبر ومجرياتها وتطوراتها على جبهات القتال المختلفة بين المصرية والسورية.

وتكشف الوثائق التي أفرجت عنها إسرائيل وتتبنى وجهة نظرها للمرة الأولى عن كيفية إدارة الحرب من قبل قادة إسرائيل، من خلال 14 نسخة من اجتماعات الحكومة في وقت الحرب، و21 استشارة سياسية أمنية قدمت لحكومة الحرب التي عقدها رئيس الوزراء، و26 تدوينًا مكتوبًا بخط اليد من قبل إيلي مزراحي، رئيس مكتب رئيس الوزراء، تم نسخها وطباعتها بعد عام.

الوثائق التي أفرجت عنها إسرائيل تعكس تصرفات صانعي القرار المدنيين في الأربعة مراكز الرئيسية التي تتركز فيها السلطة في إسرائيل؛ وهي: رئيس الوزراء والمكاتب التابعة له، ومجلس الوزراء الحربي غير الرسمي، والجلسة العامة للحكومة وممثلي إسرائيل في الخارج، وخاصة السفارة في واشنطن، والبعثة في الأمم المتحدة ولجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست، التي كانت تتلقى تقارير شبه يومية طوال فترة الحرب بعد النكسة.

إسرائيل- أرشيفية

يوم القيامة

في صباح اليوم السادس أكتوبرالذي وصفته الوثائق بـيوم القيامة استيقظت جولدا مائير رئيسة الوزراء في إسرائيل على أتصال هاتفي عاجل من سكرتيرها العسكري، يسرائيل ليئور، الذي أخبرها بالبرقية التي أرسلها تسفي زامير رئيس الموساد من لندن وتفيد لقائه بالمصدر الاستخبارتي الأهم لإسرائيل أشرف مروان وكشف له أن مصر وسوريا على وشك شن هجوم مشترك على إسرائيل في مساء اليوم إلى جانب معلومات مفصلة عن خطة الحرب التي ستعتمد عليها كلًا من مصر وسوريا.

لم تتفاجأ مائير بالمكالمة وفقا للوثائق وكان رد فعلها: كنت أعلم أن هذا سيحدث- ماذا سنفعل الآن؟.

البرقية التي جاءت من رئيس الموساد بناء على المعلومات التي قدمها أشرف مروان دفعت المؤسسة العسكرية والسياسية بأكملها إلى حالة من الاستعدادات بينما بدأت رئيسة الوزراء الإسرائيلية في اتخاذ إجراءات على عدة مستويات:

-التحقق من الاستعدادات لنشر الجيش وبذل جهود دبلوماسية نشطة لإقناع الولايات المتحدة بقبول التقييمات الإسرائيلية وربما لتجنب الحرب.

-تسريع إمدادات الأسلحة الحيوية للجبهات في سيناء والجولان.

-إرسال برقية إلى السفارة في واشنطن وإلى وزير الخارجية إبان الذي كان في مجلس الأمم المتحدة بنيويورك مع تفاصيل الأخبار وتعليمات لإبقاء صانعي السياسة الأمريكيين على اطلاع.

بعد تلك الاستعدادات بدأت جولدا مائير عقد مشاورة في مكتبه في تل أبيب مع وزير الدفاع دايان، ورئيس قسم المخابرات في جيش الدفاع الإسرائيلي ايلي زعيرا، والوزراء غليلي ونائب رئيس الوزراء ألون الذين تم إحضارهم بشكل عاجل.

ديان- أرشيفية

تعبئة قوات الاحتياط

ركز الاجتماع على قضيتين الأول هو مدى تعبئة قوات الاحتياط في إسرائيل وهو الأمر الذي اختلف عليه الخبراء العسكريون حيث دعمت جولدا مائير تعبئة واسعة للقوات المقاتلة، بينما اقترح وزير الدفاع تعبئة جزئية فقط والثاني هو مسألة الضربة العسكرية الوقائية.

وعرضت مائير مزايا هذه الخطوة، والتي من شأنها تدمير سلاح الجو السوري، وضرب الصواريخ المضادة للطائرات، وإعطاء القوة الجوية الإسرائيلية حرية العمل أثناء القتال ولكن ديان عارض وجهة نظر رئيسة الوزراء التي وافقت على اقتراح التعبئة لقوات الاحتياط.

وفي مسألة الضرب الوقائية وضعت مائير نصيحة هنري كيسنجر للسفير الإسرائيلي السابق في واشنطن، يتسحاق رابين، والسفير الحالي سيمشا دينيتز بضرورة عدم وضع إسرائيل أبدًا في موقف تتهم فيه ببدء الحرب حيث سيتم وضعها في وضع غير مريح للغاية فيما يتعلق بالمساعدة من الولايات المتحدة امامها وهو الأمر الذي أدى إلى استبعاد فكرة الضربة الوقائية.

وفي حدود العاشرة صباحا التقت جولدا مائير بالسفير الأمريكي في إسرائيل  كينيث كيتنج، وأطلعته على الوضع مع وعد أن إسرائيل لن تقوم بضربة وقائية  "على الرغم من أنها ستجعل الوضع أسهل بالنسبة لنا".

مائير أكدت خلال المباحثات مع السفير الأمريكي على ضرورة أن تدرك مصر وسوريا أن إسرائيل كانت على علم بخططهما وسوف ترد بقوة واقترحت أنه لا يزال يتعين على الولايات المتحدة محاولة التحدث مع المصريين والسوفييت لمنع اندلاع الحرب.

صورة نادرة للعبور

هنري كيسنجر

بينما تلقى السفير الإسرائيلي في واشنطن اتصالا من هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي موكدا أنه بدأ جهودًا حثيثة لمنع الحرب وأن الولايات المتحدة نقلت لمصر والسوفيت بأن إسرائيل لا تخطط لشن هجوم على مصر أو سوريا.

وفي الساعة الثانية عشر بدأ اجتماع حكومي عاجل في إسرائيل حيث عرض دايان التقارير التي تفيد بأن الحرب على وشك الاندلاع حيث كانت الأنباء بمثابة مفاجأة للعديد من الوزراء الذين لم يطلعوا على معلومات داخلية في الأيام القليلة الماضية.

وشرحت غولدا مئير الاعتبارات السياسية التي دفعتها لاتخاذ قرار ضد الضربة الوقائية  حتى لا يُنظر إلى إسرائيل على أنها المعتدية وتبع ذلك جدال حول كيفية التعامل مع السوريين إذا شنت مصر فقط الهجوم.

مائير- أرشيقية

متى تبدأ الحرب

خلال الاجتماع جولدا مائير فاجأت الوزراء إنه ا ليست متأكدة متى ستبدأ الحرب، وربما تكون الساعة 3 عصرًا، لكن صفارات الإنذار قطعت حديث جولدا مائير قبل أن يدخل مدير مكتبها ليعلن أن الجيش المصري بدأ في الهجوم، كان حيث كانت ردة فعل جولدا: لقد فاجأونا بالفعل، بعد كل شيء... أنا غاضبة لأنهم فاجأونا.

بدء الهجوم رافقة نشاط دبلوماسي واسع من جانب إسرائيل حيث حاول القادة الإسرائيليون منع عقد اجتماع لمجلس الأمن وتبني قرار لوقف إطلاق النار قبل رد القوات المصرية إلى الضفة الأخرى من قناة السويس، وضمان توفير الأسلحة الحيوية من الأمريكيين.

وخلال اجتماع حكومي قالت مائير لن يكون هناك وقف لإطلاق النار قبل أن يعود الوضع إلى ما كان عليه من قبل.

مائير وكسينجر

وفي المساء تحدث ديان على شاشة التلفزيون شارحًا سبب عدم قيام إسرائيل بضربة استباقية وعدم حشد الاحتياطيات قبل التأكد من اندلاع حرب متعهدًا بصد الهجوم.

الوثائق التي تتعلق باليوم الأول للحرب أكدت أن القيادة الإسرائيلية كانت واثقة من قدرة الجيش الإسرائيلي على صد هجمات الجيش المصري والسوري خلال فترة قصيرة من الزمن.